- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
2026-06-24
جريدة الراية: النفوذ الصيني يتزايد في قرغيزستان
في ظل الأوضاع الجيوسياسية المتغيرة بسرعة في العالم، يتزايد النفوذ الصيني في قرغيزستان بشكل متواصل. فبعد أن عززت الصين نفوذها من الناحية الاقتصادية في البداية، أخذت اليوم تعزز نفوذها السياسي والعسكري أيضاً. ويعود ذلك إلى أن حصة الصين في اقتصاد البلاد بلغت مستوى غير مسبوق. ومن الواضح أن الصين بدأت تسعى إلى ضمان حماية مصالحها الاقتصادية في بلادنا من خلال الاعتماد على التعاون السياسي والعسكري.
ومن العوامل التي تكشف هذا النفوذ حجم ديون الدولة. فقد بلغ الدين العام لقرغيزستان اليوم ما يقارب 10 مليارات دولار، ما يعني أن ديونها تضاعفت خلال السنوات الخمس الأخيرة. ومن هذه الديون، تعود 1.5 مليار دولار للصين، وهي الحصة الكبرى من الدين الخارجي للدولة.
وفي عام 2025 بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين 27.2 مليار دولار (بحسب إحصاءات الجمارك الصينية). ويشكل الاستيراد القادم من الصين الجزء الأكبر من هذا الحجم. وبهذا الحجم الكبير أصبحت الصين الشريك التجاري الأول لقرغيزستان. أما خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، فقد بلغت الاستثمارات الصينية المباشرة في قرغيزستان 282.3 مليون دولار. وبهذا المؤشر احتلت الصين المرتبة الأولى في مجال الاستثمار.
كما ينبغي الأخذ بعين الاعتبار أن الاستثمارات والقروض الصينية تكون مصحوبة بشروط خاصة. فعلى سبيل المثال، إذا نفذت الصين مشروعاً ما أو استثمرت في بلادنا، فإنها تستورد جميع المعدات اللازمة للمشروع من الصين، بل حتى البرغي البسيط. وبعبارة أدق، لا يتم شراء حتى برغي واحد من السوق المحلية!
ومن جهة أخرى، تجلب الصين رعاياها للعمل في المشاريع والاستثمارات التي تنفذها. ومعظم القروض المأخوذة من الصين تدار وفق هذا النموذج؛ إذ تحصل الدولة على قرض من الصين لتنفيذ مشروع معين، ثم تتولى شركة صينية تنفيذ المشروع. وبهذا تذهب أموال القرض إلى الشركة الصينية، ويتدفق الصينيون إلى البلاد لتنفيذ المشروع.
لقد تمكنت الصين، من خلال سياستها الهادئة والمتدرجة، من السيطرة على أجزاء رئيسية من اقتصاد بلادنا. وأصبح من أولوياتها الآن حماية هذه المصالح الاقتصادية وضمان تطويرها مستقبلاً. ومن الطبيعي أن يدفع هذا الواقع إلى تحويل العلاقات الاقتصادية بين قرغيزستان والصين إلى إطار سياسي وعسكري.
وقد بدأت أولى خطوات هذا التحول بالظهور. ففي 19 أيار/مايو، زار بلادنا وزير الأمن العام الصيني وانغ شياو هونغ، والتقى بوزير الداخلية. وخلال اللقاء ناقش الجانبان التعاون القرغيزي الصيني في مجال إنفاذ القانون.
وفي 20 أيار/مايو، التقى وانغ شياو هونغ برئيس لجنة الدولة للأمن القومي، حيث أعلن رئيس اللجنة استعداد الجهاز لحماية حقوق ومصالح المستثمرين الصينيين داخل أراضي البلاد.
إن هذه اللقاءات تكشف هذه الحقيقة بوضوح. فالسلطة مستعدة لفتح جميع الأبواب أمام الصين. وفي المقابل، تستعد الصين لزيادة استثماراتها بشكل أكبر. ومن الطبيعي أن يُتوقع تدفق المزيد من الصينيين مع هذه الاستثمارات.
وليس من قبيل المصادفة أن ترفع السلطة حصة العمال الأجانب المسموح لهم بالعمل في البلاد من 50 ألفاً إلى 100 ألف. كما أن مجلس الوزراء أصدر في 25 نيسان/أبريل قراراً يسهّل دخول العمال الصينيين إلى البلاد. ونتيجة لذلك، من الطبيعي أن تتزايد حالة الاستياء في المجتمع، بل وأن تندلع بعض النزاعات أيضاً. ولمنع حدوث ذلك، وتحديداً لحماية المصالح الاقتصادية الصينية والعمال الصينيين، يجري العمل على إنشاء التعاون بين الأجهزة الأمنية في كلا البلدين.
إضافة إلى ذلك، تعمل السلطة على تحسين صورة الصين من خلال افتتاح معارض صينية في البلاد، وإنشاء أقسام خاصة بالصين في الجامعات، وتنظيم فعاليات متواصلة تروّج للثقافة الصينية. وفي إحدى هذه الفعاليات، صرح مبعوث الدولة قائلاً: "إن العلاقات القرغيزية الصينية تمتلك خبرة تمتد لثلاثة آلاف عام". ويُعد هذا مؤشراً على محاولة إظهار شعبنا والصينيين كأشقاء، رغم أنه لا توجد أي روابط أو قواسم مشتركة بينهما على الإطلاق.
كما أنه كلما بدأت مظاهر الاستياء الشعبي من الصينيين بالظهور، يسارع المتحدثون باسم السلطة إلى تهدئة الناس واحتواء ردود الفعل. فعلى سبيل المثال، عندما انتشرت بين الناس مقاطع فيديو تتحدث عن أن "الصينيين أصبحوا كثيرين" أو أن "الصينيين اجتاحوا البلاد"، خرج رئيس إدارة السياسة الإعلامية التابعة للرئيس بتصريح اعتبر فيه هذه المقاطع أعمالاً تحريضية ومعلومات كاذبة.
إضافة إلى ذلك، كانت المعلومات المتعلقة بديون الدولة متاحة للعامة في السابق. أما اليوم فقد وُضع حد لذلك؛ إذ يتم الإعلان عن إجمالي الدين العام فقط، دون الكشف عن حجم الديون المستحقة لكل جهة على حدة. وكانت الحصة الكبرى من الدين الخارجي للدولة تعود إلى الصين. أما الآن، ووفق أسلوب العرض الجديد، فلن يُكشف للرأي العام حجم ديون الدولة تجاه الصين. ويُعد هذا إجراءً يهدف إلى الحيلولة دون تنامي مشاعر الاستياء تجاه الصين بين الناس. كما يُتوقع أن تلجأ السلطة إلى الحصول على مزيد من القروض الصينية في المستقبل.
وعليه، ترى السلطة أن فتح جميع الفرص أمام الصين من أجل "تنمية" البلاد سيؤدي إلى ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي وتحقيق "التطور". غير أن الاستثمارات والقروض، في حقيقتها، تُعد إحدى الآليات التي تستخدمها الدول الاستعمارية لنهب ثروات البلدان الأخرى، واستنزاف رؤوس أموالها، وتوسيع نفوذها. وإلى جانب ذلك، فإن التعاون مع الصين يفتح الباب أمام انتشار أعداد متزايدة من الصينيين داخل البلاد. إلا أن السلطة تنخدع بهذا "التطور" المزعوم، وتدفع بمستقبل البلاد نحو طريق مسدود.
وكما قال مبعوث الدولة: "إن العلاقات القرغيزية الصينية تمتلك خبرة تمتد لثلاثة آلاف عام". نعم، لقد كان أجدادنا يدركون جيداً كيفية التعامل مع الصين، ولذلك لم تتمكن الصين من السيطرة على أرضنا حتى يومنا هذا. وإذا سرنا على نهج أجدادنا وأخذنا بتحذيراتهم، فسنكون قادرين على التعامل مع الصين بحذر شديد ومنع تمدد نفوذها.
ونستذكر هنا كلمات الشاعر الشعبي قاليغول باي أولو: "يتسلل رويداً إلى أحضانك، ثم يضع حبله في عنقك
فلا تنخدع يا قومي، لا تنخدع، بمكر الصين وألاعيبها".
لذلك، ينبغي على السلطة أن تستمع إلى صوت الشعب، وأن توقف السياسات التي تقود البلاد إلى الارتهان للصين والاعتماد عليها.
بقلم: الأستاذ هارون عبد الحق
المصدر: جريدة الراية