Logo
طباعة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

Al Raya sahafa

 

2026-06-24

 

جريدة الراية: طرابلس الشام تحت المجهر

ماذا وراء افتتاح مطار القليعات؟

 

 

 

حظيت مدينة طرابلس الشام في السنوات الأخيرة بتحولات ملحوظة على مستوى الخطاب الإعلامي والقرارات السياسية والاقتصادية المتعلقة بها. فبعد سنوات طويلة من التهميش المتعمد ووسم المدينة ظلماً بأنها "قندهار لبنان" ومعقل للتطرف والإرهاب، تبدلت الصورة فجأة لتصبح "عروس الثورة" ومدينة التعايش والسلام.

 

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل توالت المبادرات والمشاريع الكبرى، بدءاً من إعلان تشغيل مطار القليعات في عكار المجاورة ابتداء من شهر أيلول/سبتمبر المقبل، ومروراً بمشاريع تطوير مرفأ طرابلس، وصولاً إلى إعلان مشروع إحياء سكتها الحديدية الدولية. أمام هذا المشهد اللافت، يبرز تساؤل جوهري: هل نحن أمام صحوة إنسانية متأخرة من النظام الحاكم في لبنان، أم تكمن الحقيقة في إدراج طرابلس ضمن خريطة جيوسياسية واستثمارية أكبر من حدودها الجغرافية؟

 

الإنعاش الاقتصادي: أجندة خارجية لا صحوة محلية

 

من السذاجة السياسية الظن بأن هذه التطورات هي وليدة إرادة لبنانية مستقلة تهدف إلى رفع الظلم التاريخي عن الشمال اللبناني، وتحديداً عن طرابلس وامتدادها الجغرافي والديمغرافي. ففي وقت يتعرض لبنان فيه للدمار وتشريد نحو مليون إنسان من بيوتهم، يبدو مستغرباً الشروع بمشاريع بنية تحتية ضخمة بهذا المستوى. والحقيقة أن ما يجري هو ثمرة قرار سياسي أمريكي يضع طرابلس في قلب خريطة استثمارية واقتصادية تشمل بلاد الشام كلها، وتندرج ضمن ما سبق أن سمي منذ سنوات بمشروع الشام الجديد، والذي يمتد من مصر مروراً ببلاد الشام وصولاً إلى العراق، والذي يرتبط أيضاً ارتباطاً وثيقاً بالاستثمارات الإقليمية والدولية ومشاريع إمداد الطاقة من دول الخليج إلى أوروبا.

 

ولقد كان الحضور المبكر والمميز لسفير أمريكا لحفل تدشين مطار القليعات لافتاً للنظر، حيث صرح بأن هذه الخطوات تضع لبنان على سكة النهوض. وبالطبع تأتي هذه المشاريع بالتزامن مع تسريع الخطا لإنهاء حالة الصراع في المنطقة وإدماج كيان يهود ضمن هذه الخريطة الاقتصادية الجديدة عبر اتفاقيات التطبيع "الإبراهيمية".

 

مشاريع البنية التحتية: عين على إعمار سوريا

 

إن اختيار طرابلس تحديداً لتكون مركزاً لهذه المشاريع ليس عشوائياً. فمرفأ طرابلس يتميز بعمق مياهه، ما يجعله من أهم المرافئ في شرق المتوسط، فهو قادر على استقبال سفن الحاويات التجارية العملاقة التي لا يمكنها الرسو في أي مرفأ. هذا المرفأ، إلى جانب مطار القليعات القريب منه، وبينهما مصفاة النفط المربوطة بخطوط إمداد للنفط من كركوك العراقية، إضافة إلى وجود معرض دولي ضخم في المدينة، تشكل مجتمعة بحكم قربها من سوريا منصة مثالية لورشة إعمار سوريا المرتقبة، ولا سيما مناطق الساحل وحمص وسهل الغاب. ولا ننسى أيضاً أن مياه بحر الشمال اللبناني واعدة في احتياطات الغاز الضخمة ويسيل لها لعاب الشركات النفطية. ومن هنا أيضاً يتزايد الحديث عن سكة الحديد العملاقة التي يخطط لها أن تنطلق من برلين في وسط أوروبا وصولاً إلى طرابلس، عابرة الأراضي التركية والسورية. هذه البنية التحتية المتكاملة تهدف إلى تسهيل تدفق الاستثمارات والشركات الأجنبية، لا سيما الأمريكية منها، للاستحواذ على الكنز الهائل الذي تمثله عملية إعادة الإعمار، بتمويل متوقع من الأموال النفطية الخليجية والمحلية. فمن الأساليب الاستعمارية التقليدية سياسة "دمِّر وعمِّر"؛ حيث تُدمَّر البلاد ومنشآتها لتدخل شركات حيتان المال بعد ذلك لجني الأرباح الطائلة عبر إعادة الإعمار.

 

ولعل مما سرع قرار إطلاق مطار طرابلس (القليعات) التخطيط لعزل المناطق التي يهيمن عليها حزب إيران والتي يقع فيها المطار الوحيد العامل في لبنان حتى الآن، ريثما يخضع الحزب للصيغة الأمريكية للبنان.

 

الحرب الناعمة: طمس الهوية الإسلامية

 

ولتهيئة البيئة المناسبة لهذه الاستثمارات الغربية ولرجال الأعمال الوافدين من الغرب إلى طرابلس وامتدادها الديمغرافي، كان لا بد من تغيير طابعها الثقافي والديني، وهي التي طالما عُرفت بتدينها وتفاعلها العميق مع قضايا الأمّة. لذلك، رصدنا في السنوات الأخيرة خطوات حثيثة لاختراق النسيج المجتمعي للمدينة.

 

كان من أبرز هذه الخطوات، أن أعلن في طرابلس سنة 2023 نسخة من "إعلان الأخوّة الإنسانية" الذي وقعه في الإمارات سنة 2019 شيخ الأزهر وبابا الفاتيكان. وأطلق عليه اسم "بيان الأخوّة الإنسانية لمدينة طرابلس"، رعته جمعيات أوروبية مشبوهة بالتعاون مع جمعيات محلية مشبوهة أيضاً. وهو إعلان يهدف لتجريد المدينة من هويتها الإسلامية واستبدال هوّية "إنسانوية" علمانية متغرّبة بها. وقد عرضت في حفل هذا الإعلان أوركسترا تخلط الأذان بالقداديس، والأخطر فيه كان إعلان بطل جديد يستبدل بالناصر صلاح الدين الأيوبي، وهو ملك مصر الكامل الأيوبي الذي أعاد تسليم القدس للصليبيين بعد أن حرّرها صلاح الدين.

 

إلى جانب ذلك، نشطت محاولات اختراق مجتمع طرابلس عبر منظمات دولية، مثل منظمة الأمم المتحدة للمرأة، التي وقعت اتفاق تعاون مع بلدية طرابلس لنشر أفكار النسوية والجندر، وقد أسقط الراصدون الواعون من أهل طرابلس هذا الاتّفاق بفضل الله تعالى.

 

ويبدو الآن بوضوح أن الإدارة الأمريكية تعتمد اليوم استراتيجية جديدة في التعامل مع المسلمين في شرق المتوسط؛ فبعد أن أدركت أن سياسة الحروب المباشرة قد أججت جذوة المقاومة، تحاول الآن إلهاء أهل المنطقة بالانتعاش الاقتصادي والاستثمارات والبحبوحة المالية. الخطة تقوم على إشغال الشباب المسلم بفرص العمل لخلق بيئة تؤدي فيها الرفاهية المادية إلى عزوفهم عن العمل الجهادي والنشاط السياسي الإسلامي والاستعداد للتضحية. وبطبيعة الحال لا يحزننا حصول الشباب على فرص عمل ترفع مستواهم المعاشي وتعينهم على أعباء الحياة، إلا أن الخطر يكمن في حالة السكر والوهم بأن هذه المشاريع هي طوق النجاة، متناسين أن الماكينة الرأسمالية الغربية تنعش المنطقة نسبياً ومرحلياً لخدمة مصالحها فقط، وليس لبناء اقتصاد سيادي مستدام يحصن البلاد اقتصادياً وسياسياً.

 

ختاماً: الوعي هو خطّ الدفاع الأول

 

في خضم هذه المخططات المعقدة التي تحاك للمنطقة عموماً، يقف المسلمون أمام مسؤولية تاريخية. فالتغييرات الجيوسياسية ومساعي التقسيم، واستخدام التنمية الاقتصادية أداة للتدجين السياسي، تتطلب مستوى عالياً من الوعي. والواجب اليوم هو كشف مؤامرات محو الهوية التي تتسلل إلى الأحياء والأزقة والمدارس والمؤسسات، والتصدي لكل محاولات الاختراق الثقافي وإفساد الفطرة، والتوعية على طبيعة النظام الاقتصادي الإسلامي والسياسة الاقتصادية السيادية التي تحصن الأمة اقتصادياً وسياسياً وحضارياً. فالحل الجذري لأزماتنا لا يكمن في انتظار فتات الاستثمارات الأجنبية المشروطة، بل في استعادة الأمة قرارها السيادي، وطرد نفوذ المستعمر، واستئناف الحياة الإسلامية التي تضمن لنا الكرامة والاقتصاد السيادي الحقيقي.

 

بقلم: الأستاذ أحمد القصص

 عضو المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

 

 

المصدر: جريدة الراية

 

 

Template Design © Joomla Templates | GavickPro. All rights reserved.