Logo
طباعة

المكتب الإعــلامي
ولاية مصر

التاريخ الهجري    22 من رمــضان المبارك 1447هـ رقم الإصدار: 1447 / 29
التاريخ الميلادي     الأربعاء, 11 آذار/مارس 2026 م

 

 

 

بيان صحفي

رفع أسعار البنزين في مصر

كيف تتحول ثروات الأمة إلى أداة لإفقارها؟!

 

 

لم يعد رفع أسعار البنزين في مصر مجرد قرار اقتصادي عابر، ولا مجرد إجراء مالي لمعالجة عجز في الموازنة كما يحاول النظام أن يصوره، بل أصبح ظاهرة متكررة تكشف طبيعة السياسات التي تُدار بها البلاد، وتفضح حقيقة النظام الاقتصادي الذي فُرض على الأمة، وهو نظام يجعل ثرواتها في خدمة الدائنين ومصالح الغرب، بينما يتحمل الناس تبعاته الثقيلة في معاشهم اليومي.

 

لقد شهدت مصر خلال السنوات الأخيرة موجة متتابعة من رفع أسعار الوقود، حتى وصلت الزيادة في بعض أنواع البنزين خلال نحو عشر سنوات إلى مئات في المائة. فبعد أن كان سعر لتر البنزين قبل سنوات قليلة لا يتجاوز بضعة جنيهات، أصبح اليوم يقترب من عشرين جنيهاً ويتجاوزها في بعض الأنواع. وهذه الزيادات لم تأتِ فجأة، بل جاءت ضمن مسار واضح بدأ منذ تبني الحكومة لما سُمّي ببرامج "الإصلاح الاقتصادي"، الذي كان من أبرز بنوده رفع الدعم المزعوم عن الطاقة وربط الأسعار بالسوق العالمية.

 

غير أن الحقيقة التي ينبغي الوقوف عندها هي أن مسألة البنزين في مصر ليست مجرد قضية دعم حكومي مزعوم فقط، بل هي قضية تتعلق بثروات ضخمة تمتلكها البلاد. فمصر تملك احتياطات كبيرة من النفط والغاز، وتنتج جزءاً كبيراً من احتياجاتها من المشتقات البترولية، ومع ذلك يعيش الناس تحت وطأة زيادات مستمرة في الأسعار، وكأن مصر لا تملك من الطاقة شيئاً!

 

وهنا يظهر التناقض الصارخ بين ما ينبغي أن تكون عليه إدارة الثروات في دولة ترعى شؤون الناس، وبين ما يجري في ظل النظام الاقتصادي الرأسمالي الذي يحكم البلاد. فالرأسمالية تنظر إلى الطاقة والموارد الطبيعية باعتبارها سلعة تخضع لحسابات الربح والخسارة، بينما ينظر الإسلام إلى هذه الموارد باعتبارها ملكية عامة للأمة لا يجوز احتكارها أو تحويلها إلى مصدر جباية لأموالها.

 

وقد قرر الشرع أن الموارد التي تكون من قبيل المنافع العامة، كالمعادن ومصادر الطاقة الكبرى، تدخل في باب الملكية العامة التي يشترك فيها المسلمون جميعاً. ولذلك لا يجوز للدولة أن تتعامل معها بوصفها مصدراً للربح أو الجباية، بل يجب أن تُدار بما يحقق مصلحة الأمة كلها ورعاية شؤونها.

 

وفي هذا السياق يبرز مفهوم "الدعم" الذي يرفعه النظام شعاراً لتبرير رفع الأسعار. فكلما أعلنت الدولة زيادة جديدة في أسعار الوقود قيل للناس إن ذلك يأتي في إطار "خفض الدعم"، وكأنها كانت تمنّ على الشعب بشيء من مالها الخاص. غير أن هذه الرواية تخفي حقيقة مختلفة تماماً؛ فالدعم في جوهره خدعة سياسية تُستخدم لتبرير تحميل الناس أعباء السياسات الاقتصادية.

 

ولو أُديرت هذه الثروات إدارة صحيحة قائمة على أساس كونها ملكية عامة كما قرر الإسلام، لما احتاج الناس إلى ما يسمى بالدعم أصلاً، لأن الموارد نفسها كفيلة بتغطية حاجات المجتمع وتخفيف الأعباء عن أفراده. ولكن حين تُدار الثروات وفق النظام الرأسمالي الذي يحول الموارد العامة إلى مصدر للجباية والربح، يصبح الناس وكأنهم يستجدون جزءاً يسيراً من حقوقهم تحت مسمى "الدعم".

 

ومن هنا يمكن فهم السبب الحقيقي وراء موجات رفع الأسعار المتكررة. فالدولة لا تتحرك في هذا الملف باعتباره قراراً سيادياً، بل باعتباره جزءاً من التزامات مرتبطة ببرامج القروض الدولية. وهذه البرامج تشترط تقليص ما يسمى "دعم الطاقة"، ورفع الأسعار تدريجياً حتى تصل إلى ما يسمونه "السعر الحقيقي".

 

لكن السؤال الذي يطرح نفسه: ما هو هذا "السعر الحقيقي"؟ وهل يُعقل أن يكون السعر الحقيقي للطاقة في بلد يملك هذه الموارد هو السعر نفسه المرتبط بالسوق العالمية التي تتحكم فيها الشركات الكبرى والدول الصناعية؟

 

إن هذه الفكرة في حد ذاتها تعكس طبيعة النظام الاقتصادي المفروض على مصر. فحين تُربط أسعار الوقود بسعر النفط في الأسواق العالمية وبسعر الدولار، فإن ذلك يعني عملياً أن حياة الناس ومعيشتهم أصبحت رهينة لتقلبات الأسواق الدولية، بدل أن تكون مرتبطة بقدرات البلاد وإمكاناتها.

 

والنتيجة الطبيعية لذلك هي ما نراه من موجات تضخم متلاحقة. فرفع أسعار البنزين لا يقتصر أثره على الوقود نفسه، بل يمتد إلى كل شيء في الحياة. فتكلفة النقل ترتفع، وتكاليف الإنتاج ترتفع، وبالتالي ترتفع أسعار السلع والخدمات جميعاً. وهكذا يجد الناس أنفسهم أمام موجة غلاء جديدة في كل مرة يُعلن فيها عن زيادة في أسعار الوقود.

 

ومع مرور الوقت تتحول هذه السياسة إلى حلقة مفرغة؛ ترتفع الأسعار فيزداد الفقر، ويزداد العجز المالي فتُفرض زيادات جديدة، وهكذا تدور الدائرة على حساب الناس.

 

إن المشكلة في جوهرها ليست في سعر البنزين نفسه، بل في طبيعة النظام الذي يدير الاقتصاد. فطالما بقيت البلاد تسير وفق النموذج الرأسمالي القائم على القروض والديون وربط الاقتصاد بالمؤسسات المالية الغربية، فإن الأزمات ستتكرر، وسيظل الناس يدفعون الثمن.

 

أما الحل الحقيقي فلا يكمن في إجراءات جزئية هنا أو هناك، بل في تغيير جذري لطريقة إدارة شؤون الأمة وثرواتها، بحيث تعود هذه الثروات إلى موقعها الطبيعي بوصفها ملكاً للأمة كلها، تُدار وفق الأحكام الشرعية التي تضمن عدالة توزيعها وتحقيق مصالح الناس ورعاية شؤونهم.

 

يا أهل الكنانة: إن ما تعيشونه من ضيق في المعاش وارتفاع في الأسعار ليس نتيجة لفقر في الموارد، بل هو نتيجة مباشرة لسياسات اقتصادية خاطئة تُدار بها البلاد. إن مصر ليست بلداً فقيراً، بل بلد غني بثرواته وموقعه وإمكاناته، ولكن هذه الثروات لا تُدار اليوم بما يضمن رعاية شؤونكم. وإن إدراك هذه الحقيقة هو الخطوة الأولى في طريق التغيير، حتى تعود ثرواتكم لكم وتُدار بما يحقق فيكم العدل والرحمة.

 

يا أجناد الكنانة: أنتم جزء من هذا الشعب الذي يعاني من أعباء هذه السياسات. وقد كانت الجيوش في الأمة الإسلامية سنداً للعدل وحامية لحقوق الناس، لا أداة في يد السياسات التي تُرهق الأمة وتثقل كاهلها. وإن مسؤوليتكم عظيمة في حماية البلاد وثرواتها، وفي أن تكونوا درعاً لها في وجه كل ما يضر بها أو يبدد مقدراتها. فانحازوا لأمتكم واحملوا همها وأعيدوا لها سلطانها الذي يرعى شؤونها بالإسلام في ظل الخلافة الراشدة على منهاج النبوة.

 

ويبقى الميزان الذي يجب أن توزن به قضايا الأمة هو ميزان الحق الذي أنزله الله؛ ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيراً﴾.

 

 

المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

 

 

المكتب الإعلامي لحزب التحرير
ولاية مصر
عنوان المراسلة و عنوان الزيارة
تلفون: 
www.hizb.net
E-Mail: info@hizb.net

Template Design © Joomla Templates | GavickPro. All rights reserved.