Logo
طباعة
حقوق المرأة: ذريعة الحروب الاستعمارية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

حقوق المرأة: ذريعة الحروب الاستعمارية

(مترجم)

 

 

الخبر:

 

في يوم الثلاثاء الموافق 3 آذار/مارس، أقامت إيران جنازة جماعية لـ165 طالبة وموظفة قُتلن في 28 شباط/فبراير في قصف لأمريكا وكيان يهود على مدرسة الشجرة الطيبة الابتدائية للبنات في ميناب. أثار الهجوم المروع غضباً عالمياً واسعاً، حيث انتشرت صور وتقارير تُظهر جثث الفتيات الصّغيرات ملقاة على أرضيات الفصول الدراسية، وأهاليهن يتشبثون بهن. على الرغم من هذه الفاجعة، وحقيقة مقتل 200 امرأة في الأسبوع الأول فقط من هذا الهجوم على إيران، وفقاً لبعض التقارير، يواصل ترامب ونتنياهو والعديد من السياسيين الغربيين والمعلقين الإعلاميين ترويج هذه الحرب على إيران جزئياً كوسيلة "لتحرير" نسائها من "الحكم الإسلامي القمعي".

 

التعليق:

 

من غير المعقول أن تجرؤ طبقة إبستين والدوائر السياسية والإعلامية العاملة في دول ليبرالية علمانية ينتشر فيها العنف ضدّ المرأة، والتي أنشأت شبكة نخبوية متورطة في اغتصاب واستغلال والاتجار بالفتيات والنساء، على مجرّد الحديث عن حقوق المرأة. بل إنّ النفاق فاضح، إذ ذُبح عشرات الآلاف من النساء والفتيات في الإبادة الجماعية التي ارتكبها كيان يهود في غزة دون أدنى استنكار من هؤلاء السياسيين والنسويات أنفسهم. في الواقع، قُتل من النساء والأطفال في السنة الأولى من الإبادة الجماعية في غزة عددٌ يفوق ما قُتل في أي صراع آخر خلال العقدين الماضيين. إضافةً إلى ذلك، فإنّ المجاعة الجماعية التي تُعاني منها النساء والفتيات في قطاع غزة، وقصف مستشفيات الولادة، وحرمان النساء من الأدوية ما يُجبرهن على الخضوع لعمليات قيصرية دون تخدير، فضلاً عن التعذيب الممنهج والاعتداء الجنسي عليهن في سجون الاحتلال، لم تُثر أيّ ردّ فعل ملموس من هؤلاء السياسيين والنسويات.

 

نعم النظام الإيراني كيان قمعي ملطخة يداه بدماء آلاف الأبرياء في الإبادة الجماعية في سوريا وغيرها من البلاد. علاوةً على ذلك، فإنّ أيّ شخص يدرس النصوص الإسلامية بصدق سيدرك أنّ نموذج حكمه وتطبيقه الانتقائي والمشوّه للشريعة الإسلامية لا يُمثّل حكماً إسلامياً حقيقياً، لا يُمكن أن يوجد إلا في ظلّ نظام الخلافة؛ لكن استخدام أمريكا والعديد من الحكومات والأحزاب السياسية والسياسيين ووسائل الإعلام الغربية لمصطلح حقوق المرأة لتبرير قصف إيران بحجة إنقاذ نسائها، بينما يتمّ في الوقت نفسه إلقاء القنابل على رؤوسهن، أمرٌ مُقزز. وقد صرّحت السياسية الإسبانية مانويلا بيرجيروت، رداً على بعض السياسيين الذين دافعوا عن قصف إيران باستخدام الخطاب النسوي، في البرلمان الإسباني: "هكذا يدافع اليمين عن حقوق المرأة الإيرانية: بالاحتفال بمقتل 160 فتاة".

 

إنّ تأطير الحروب الاستعمارية في البلاد الإسلامية بذريعة تحرير أو إنقاذ نسائها من الحكم الإسلامي، واستغلال أجساد النساء وحقوقهن، وتوظيف الخطابات النسوية لتحقيق أهداف استعمارية كاحتلال البلاد واستعمارها، ليس بالأمر الجديد. فعلى مدى أكثر من قرن، كان هناك ارتباط وثيق بين النسوية والاستعمار في البلاد الإسلامية، وهو ارتباط ما زال قائماً حتى العصر الحديث. كتبت ليلى أحمد، الكاتبة المصرية الأمريكية المتخصصة في الحركة النسوية في البلاد الإسلامية، في كتابها "المرأة والجندر في الإسلام": "كثيراً ما قيل إنّ علم الإنسان كان خادماً للاستعمار. ولعلّ من الضروري أيضاً القول إنّ الحركة النسوية، أو أفكارها، كانت خادمة أخرى له".

 

في مطلع القرن العشرين، هاجم اللورد كرومر، القنصل البريطاني العام الذي حكم مصر من عام ١٨٨٣ إلى ١٩٠٧، الأحكام الاجتماعية الإسلامية، بما فيها اللباس الشرعي والفصل بين الجنسين، واصفاً إياها بأنها ذات أثر مدمر على المجتمعات الشرقية، وأن السبيل لرفع شأن المرأة والبلاد هو تحريرهما من هذه المعتقدات الإسلامية، وإقناع الجيل الجديد من المصريين أو إجباره على استيعاب روح الحضارة الغربية الحقيقية. ومع ذلك، فبينما كان يدعو إلى تحرير المرأة في مصر، كان كرومر في إنجلترا عضواً مؤسساً ورئيساً سابقاً لرابطة الرجال التي عارضت حركة المطالبة بحقّ المرأة في التصويت ونضالها من أجل المساواة في الحقوق القانونية والسياسية والاقتصادية.

 

لقد تكرّرت هذه الخطابات النسوية نفسها، التي تدعو إلى إنقاذ النساء المسلمات وتحريرهن من القوانين أو الأحكام الإسلامية، من الحكومة الفرنسية خلال استعمارها للجزائر، ومن الحكومتين الأمريكية والبريطانية في حروبهما الاستعمارية في أفغانستان والعراق، في محاولة يائسة لإضفاء مسحة من التبرير الأخلاقي على احتلالهما لتلك البلدان. ​​إنّ هذا الإرث من استحضار الروايات النسوية وترويج الصور النمطية المعادية للإسلام والمتحيزة جنسياً لتبرير التدخل العسكري، قد عاد للظهور مجدداً في هذه الحرب على إيران. إلا أنّ ذبح النساء والفتيات، وتدمير مدارسهن ومستشفياتهن ومنازلهن، وتشريدهن من ديارهن، كل ذلك باسم تحريرهن، هو منطق منحرف وملتوٍ، واضح لكل ذي عقل سليم. كتبت الأكاديمية جانين ريتش في مقالها "إنقاذ النساء المسلمات: النسوية، والسياسة الأمريكية، والحرب على الإرهاب": "لقد شكّل الشعار الأيديولوجي إنقاذ نساء الشرق الأوسط أداةً فعّالة لتبرير التدخل العسكري الأمريكي في المنطقة... إن الخطابات المعقدة المحيطة بالمرأة في البلاد الإسلامية لها تاريخ طويل وعميق في البُعد السياسي، وقد تمّ تجديد هذه الرواية وإعادة استخدامها مرات عديدة لحشد تأييد شعبي واسع النطاق للتدخل العسكري الغربي في الشرق الأوسط. ومع ذلك، عند فحصها بشكل نقدي، يتضح أن السياسة الخارجية الأمريكية والتدخل العسكري في الشرق الأوسط قد أدّيا إلى تدهور وضع حقوق المرأة في المنطقة، ثم استخدما خطاب حقوق المرأة كمبرر للحرب على الإرهاب".

 

وقال ونستون تشرشل قولته الشهيرة: "في زمن الحرب، الحقيقة ثمينة للغاية لدرجة أنه ينبغي أن يحرسها دائماً حراس من الأكاذيب". الحقيقة هي أنّ النظام الرأسمالي الذي تتبناه أمريكا والدول الغربية عاجز عن تحرير أي أحد، رجالاً كانوا أو نساءً، بل إنه لا يُولّد إلا الفوضى داخل هذه الدول وعلى مستوى العالم. والحقيقة أيضاً أنه لا أحد في مأمن في النظام العالمي الحالي الذي يهيمن عليه هذا النظام. أُقيمت الجنازة الجماعية للتلميذات الإيرانيات اللواتي ذُبحن في هذه الحرب في الثالث من آذار/مارس، وهو التاريخ الذي يُصادف ذكرى هدم الخلافة. من الواضح أنه في غياب هذه الدولة، لا توجد قيادة للدفاع عن الأبرياء ولتكون بمثابة منارة أخلاقية للعالم. ونتيجة لذلك، يُمنح المجرمون ومثيرو الحروب ومرتكبو الإبادة الجماعية حرّية مطلقة في تنفيذ مجازرهم وتدميرهم للبشرية.

 

 

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أسماء صديق

عضو المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

 

وسائط

Template Design © Joomla Templates | GavickPro. All rights reserved.