Logo
طباعة
أحداث شغب بلفاست: عرضٌ آخر لنظام سياسي متفكّك ومنقسم

بسم الله الرحمن الرحيم

 

أحداث شغب بلفاست: عرضٌ آخر لنظام سياسي متفكّك ومنقسم

(مترجم)

 

 

الخبر:

 

شهدت بلفاست مؤخراً أعمال شغب واعتداءات على المهاجرين، وفوضى عارمة، وتصاعداً في التوترات بين الناس. وبحسب التقارير، اندلعت هذه الاضطرابات إثر هجوم بسكين اتُهم فيه مهاجر سوداني بإصابة رجل محلي بجروح خطيرة، وهو حادث أثار بطبيعة الحال، صدمة وقلقاً وغضباً بين العديد من السكان. وفي الأيام التي تلت ذلك، تصاعدت الاحتجاجات إلى أعمال عنف، حيث أصبح المهاجرون والعرقيات الصغيرة هدفاً للهجمات، ما أعاد إشعال النقاشات حول الهجرة والعلاقات المجتمعية والتماسك المجتمعي في أيرلندا الشمالية وعموم المملكة المتحدة.

 

التعليق:

 

كان الهجوم بالسكين الذي أشعل فتيل هذه الأحداث جريمة خطيرة ومقلقة يجب إدانتها بشكل قاطع. يستحقُ كل ضحية للعنف العدالة، ويجب محاسبة المسؤولين عنها محاسبة كاملة. مع ذلك، لا ينبغي أبداً استخدام تصرفات فرد واحد لتبرير العداء تجاه جاليات بأكملها، ولا ينبغي أن تكون ذريعة للهجوم على المهاجرين الأبرياء أو اللاجئين أو العرقيات الصغيرة الذين لا يتحملون أي مسؤولية عن الجريمة. إنّ السرعة التي تحول بها الغضب الشعبي إزاء حادثة واحدة إلى عنف أوسع نطاقاً ضدّ المهاجرين تُظهر كيف يمكن استغلال الانقسامات المجتمعية المتجذرة وتأجيجها بسرعة.

 

لا ينبغي النظر إلى المشاهد الأخيرة التي شهدتها بلفاست على أنها حوادث معزولة أو مجرد تصرفات عدد قليل من المتطرفين، بل هي أعراض لانقسامات أعمق موجودة داخل المجتمعات الغربية والأنظمة السياسية التي تحكمها.

 

في جميع أنحاء أوروبا، أصبح الخطاب المعادي للمهاجرين أمراً شائعاً بشكل متزايد في الخطاب السياسي السائد. غالباً ما يُصوَّر المهاجرون والعرقيات الصغيرة على أنهم عبء على الخدمات العامة، أو تهديد للهوية الوطنية، أو سبب للمصاعب الاقتصادية. خلال فترات الصعوبات المجتمعية والاقتصادية، غالباً ما تُتخذ الجاليات المهمشة كبش فداء، ما يسمح للقادة السياسيين بتوجيه غضب الرأي العام بعيداً عن إخفاقاتهم.

 

في الواقع، لم يكن المهاجرون سبباً في نقص المساكن، أو ارتفاع تكاليف المعيشة، أو تدهور أنظمة الرعاية الصحية، أو اتساع الفجوة الاقتصادية. هذه المشاكل هي نتاج قرارات سياسية واقتصادية اتُخذت على مدى سنوات طويلة. ومع ذلك، فبدلاً من معالجة الأسباب الجذرية لهذه الأزمات، يستمر العديد من السياسيين في استغلال مخاوف الرأي العام بتوجيه اللوم إلى تلك العرقيات والوافدين الجدد.

 

يكمن جوهر هذه المشكلة في فكرة القومية. فالدول القومية الحديثة تشجع الأفراد على تعريف أنفسهم بالدرجة الأولى من خلال الجنسية والعرق والمصالح الوطنية. وتخلق هذه النظرة للعالم حتماً عقلية "نحن وهم"، ما يجعل من يُنظر إليهم على أنهم غرباء عرضةً للشك والاستياء والعداء كلما واجه المجتمع تحديات.

 

ويُظهر التاريخ مراراً وتكراراً عواقب هذا التفكير. فمن الاستعمار والعبودية إلى التمييز العرقي والعداء للمهاجرين، عززت القومية باستمرار الانقسام والصراع. وبينما تتحدث الحكومات عن المساواة والتنوع، فإنها تستمر في الترويج لهويات وطنية تُقسّم الناس إلى جماعات متنافسة، وتشجع الأفراد على حكم بعضهم على بعض من خلال عدسة العرق والجنسية.

 

يقدم الإسلام رؤية مختلفة جذرياً؛ فمنذ أكثر من أربعة عشر قرناً، واجه الإسلام واستأصل التحيزات القبلية والعرقية التي سادت الجزيرة العربية. يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّه عَلِيمٌ خبيرٌ﴾.

 

ويرفض الإسلام العنصرية والقومية والقبلية وجميع أشكال التمييز على أساس العرق أو اللغة أو الجنسية. قال الرسول ﷺ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ دَعَا إِلَى عَصَبِيَّةٍ، وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ قَاتَلَ عَلَى عَصَبِيَّةٍ، وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ مَاتَ عَلَى عَصَبِيَّةٍ».

 

وبدلاً من ربط الناس من خلال العرق أو الجنسية، يربط الإسلام الناس من خلال القيم المشتركة والعدالة والمساءلة أمام الله سبحانه وتعالى. طوال تاريخها، وحدت الحضارة الإسلامية الناس من مختلف الأعراق واللغات والخلفيات داخل دولة واحدة، حيث كان يتم الحكم على الأفراد وفقا لسلوكهم وشخصيتهم وليس بناء على لون بشرتهم أو مكان ميلادهم.

 

لذا فإن الأحداث التي شهدتها بلفاست ينبغي أن تكون بمثابة تذكير بأن العنصرية وكراهية الأجانب لا يمكن معالجتها بشكل كامل مع الحفاظ على الأسس المبدئية التي تولّدها. وطالما استمرت المجتمعات في البناء على القومية، وسياسات الهوية، والسعي وراء المكاسب السياسية، فستظل هذه الانقسامات تظهر بأشكال مختلفة.

 

يتطلب التغيير الحقيقي أكثر من مجرد إدانة العنف بعد وقوعه، بل يتطلب تحدي الأفكار والأنظمة التي تُغذي الانقسام في المقام الأول. يقدم الإسلام نموذجاً بديلاً، نموذجاً يستأصل العنصرية من جذورها، ويرفض جميع أشكال التمييز العرقي والقومي، ويرسي العدل والكرامة لجميع الناس بغض النظر عن عرقهم أو أصلهم.

 

لا يحتاجُ العالم إلى مزيد من شعارات التسامح التي تُبقي على أسباب الانقسام، بل يحتاج إلى نظام شامل يُزيل هذه الأسباب تماماً. هذه هي الرؤية التي يقدمها الإسلام.

 

 

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

ياسمين مالك

عضو المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

 

وسائط

Template Design © Joomla Templates | GavickPro. All rights reserved.