- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
ملفات إبستين: جرائم إنسانية ومسؤولية الأمة الإسلامية
ليست فضائح إبستين وما شابهها مجرّد انحرافات أخلاقية فردية، ولا حادثة معزولة في سجلّ الجريمة العالمية، بل هي كاشف فاضح لطبيعة المنظومة الحضارية التي تقود العالم اليوم؛ منظومة فصلت القيم عن السياسة، وحوّلت الإنسان إلى سلعة، ثم نصّبت نفسها وصيّة على البشرية باسم الحرية وحقوق الإنسان!
إن الأسماء التي تنكشف اليوم في ملفات الاتجار بالبشر، واستغلال القُصَّر، وبناء شبكات النفوذ القذرة، هي ذاتها التي تصوغ المعايير الدولية، وتمنح صكوك الشرعية، وتوزّع شهادات الأخلاق على شعوب الأرض! أيّ مفارقة هذه؟!
مجرمون يُنظّرون للأخلاق، ويقودون العالم، ويُقدَّمون باعتبارهم حُماة القيم الإنسانية! والأدهى من ذلك - وهو بيت القصيد - أن هذه المنظومة نفسها هي التي تنصّب حكّام الأمة الإسلامية، وترعى أنظمتها، وتحمي عروشها، ثم تطالب الشعوب بالصمت والطاعة باسم الاستقرار والواقعية السياسية ﴿وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.
فالسؤال الحقيقي هو ليس كيف فُضِحوا؟ بل كيف ترك لهم أن يقودوا العالم أصلا؟ وكيف قَبِلنا نحن المسلمين أن تُدار شؤوننا بأيدٍ هي ذاتها التي تتاجر بالبشر، وتدمّر القيم، وتُنتج الانحطاط ثم تسوّقه كنموذج حضاري؟!
إن ما تكشفه ملفات إبستين ليس خللاً أخلاقياً داخل نظام سليم، بل هو نتاج طبيعي لمنظومة علمانية رأسمالية تفصل السياسة عن القيم، وتفصل القوة عن المحاسبة، وتجعل المنفعة فوق الإنسان. ولهذا فإن اختزال القضية في محاكمات انتقائية، أو إدانات إعلامية موسمية، لا يغيّر شيئاً من الواقع، لأن الجريمة بنيوية وليست فردية. قال رسول الله ﷺ: «إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ»، إنها منظومة نزعت الحياء من السياسة، فكان طبيعيا أن تنزع الرحمة من الإنسان.
إن الأزمة ليست في قلة الموارد، ولا في غياب الكفايات، ولا في نقص الوعظ الأخلاقي، بل في غياب المشروع السياسي المبدئي الذي يُعيد للإسلام موقعه، ليس كدين شعائر فقط، ولا كخطاب أخلاقي معزول، بل كقيادة حضارية وشهادة على الناس ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾، فإن الصمت ليس حيادا، والتكيّف ليس حكمة، والارتهان للمنظومة الفاسدة ليس واقعية. العالم لا ينتظر إدانات، بل بديلا، والعالم لا ينتظر بيانات استنكار، ولا حملات غضب عابرة، بل ينتظر بديلاً حضارياً، ومنهاجاً سياسياً، وقيادةً فكرية سياسية تُنقذ الإنسان من منظومة فاسدة، ومن حكام صنعوا على مقاسها.
فهل آن للأمة أن تدرك أن من يفضحهم الإعلام اليوم هم ذاتهم من حكمونا بالأمس ويحكموننا اليوم؟ وهل آن الأوان لاستعادة الرسالة ليس بالبكاء على الفضائح، بل بكسر منظومتها كاملة؟
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
علي التهامي