- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
غرينلاند ليست صفقة: قراءة في تصدّع النظام الأطلسي
يُكرّر الرئيس الأمريكي ترامب رغبته في الاستحواذ على جزيرة غرينلاند. ففي ولايته الأولى عام 2019، عرض شراءها، لكن عرضه قوبل بالرفض، وقيل له بوضوح إنها ليست للبيع. وقد أعاد اهتمامه بها في ولايته الثانية، حيث لم يستبعد استخدام القوة للاستحواذ عليها.
بعد أحداث فنزويلا واعتقال رئيسها نيكولاس مادورو وزوجته من بيتهما، ثبت للعالم أنه لا توجد قوة قادرة على الوقوف في وجه ما تسعى أمريكا إلى تحقيقه. وفي اليوم التالي، وبعد نشوة العظمة التي أعقبت تلك الأحداث، قال ترامب للصحفيين: "نحن بحاجة إلى غرينلاند من منظور الأمن القومي، فهي ذات أهمية استراتيجية كبيرة في الوقت الحالي، وغرينلاند مليئة بالسفن الروسية والصينية في كل مكان" (CNN العربية).
في المقابل، ردّ رئيس وزراء غرينلاند، نيس فريدريك نيلسن، قائلاً: "كفى الآن"، واصفاً فكرة السيطرة على الجزيرة بحد ذاتها بأنها ضربٌ من الخيال. كما أكدت رئيسة وزراء الدنمارك، ميته فريدريكسن، أن الولايات المتحدة لا تملك أي حق في ضم أي جزء من الدول الثلاث التابعة لمملكة الدنمارك.
غير أن اهتمام أمريكا بغرينلاند يعود إلى فترة أبعد بكثير. فبعد احتلال ألمانيا للبرّ الدنماركي خلال الحرب العالمية الثانية، غزت أمريكا الجزيرة وأقامت فيها قواعد عسكرية، واستمر ذلك حتى بعد انتهاء الحرب. ولا تزال قاعدة بيتوفيك الفضائية قائمة حتى اليوم، والتي كانت تُعرف سابقاً بقاعدة ثولي الجوية، وتُديرها أمريكا.
وقبل ذلك بسنوات طويلة، كانت لدى أمريكا رغبة واضحة في امتلاك غرينلاند. ففي عام 1867، وبعد شراء ألاسكا من روسيا، حاولت شراء غرينلاند، لكنها لم تنجح في ذلك.
ويقول مارك ياكوبس، أحد أساتذة الكلية الملكية الدنماركية للدفاع "إذا أرسلت روسيا صواريخ باتجاه الولايات المتحدة، فإن أقصر طريق للأسلحة النووية سيكون عبر القطب الشمالي وغرينلاند، ولهذا السبب تُعد قاعدة بيتوفيك الفضائية بالغة الأهمية في الدفاع عن الولايات المتحدة".
إن مسألة غرينلاند لا تقف خلفها أسباب اقتصادية بالدرجة الأولى، إذ تستطيع أمريكا الوصول إلى المعادن والطاقة بوسائل أخرى أقل كلفة سياسياً، ناهيك عن قدرتها على تعويض هذه الموارد من أماكن متعددة في عالم بات اليوم بين راحتيها.
إن أهداف أمريكا من ذلك هي أهداف جيوستراتيجية - عسكرية - نظامية، تتصل مباشرة بالأمن القومي الأمريكي، وبإعادة تشكيل ميزان القوى العالمي، وهو ما صرّح به ترامب صراحة.
فغرينلاند ليست مجرد أرض يُتحكّم بها من حيث الموقع، فهي تعود جغرافياً إلى قارة أمريكا الشمالية، وقد أُديرت بوصفها مستعمرة حتى منتصف القرن العشرين. وتشكل اليوم أكبر كتلة جغرافية تطل على ممرات القطب الشمالي الجديدة، التي قد يفتحها ذوبان الجليد مع تسارع التغير المناخي، وهي ممرات تختصر طرقاً تجارية حيوية بين القارات.
ومن الأهداف الأساسية أيضاً كسر الطوق الروسي في الشمال، حيث يُعد القطب الشمالي عمقاً استراتيجياً لروسيا، يضم قواعد نووية وغواصات ردع ومنظومات إنذار مبكر. وباعتبار أن غرينلاند تقع مقابل تلك السواحل وعلى خط حركة الغواصات النووية الروسية نحو الأطلسي، فإن امتلاك أمريكا يجعلها قادرة على إغلاق ممرات الردع الروسية وتحويل الجزيرة إلى نقطة مراقبة أمريكية متقدمة.
كما أن استعادة العمل الكامل لقاعدة بيتوفيك، في حال أصبحت الجزيرة ملكاً لأمريكا، يمنحها حرية نشر أنظمة عسكرية جديدة دون قيود سياسية، إذ تخضع القاعدة اليوم لتفاهمات مع الدنمارك ولا تتمتع أمريكا بسيادة كاملة عليها. ويشمل ذلك تطوير منظومات اعتراض صاروخي متقدمة وتقليل زمن الإنذار المبكر إلى أدنى حد ممكن.
أما النقطة الأكثر حساسية، فهي تحييد أوروبا داخل حلف الناتو. فامتلاك أمريكا لغرينلاند يسحب أحد أهم الأقاليم الاستراتيجية من يد أوروبا، ويُحدث شرخاً داخل الحلف، ويوجّه رسالة واضحة مفادها أن "الأمن الحقيقي لا يمر عبر الشراكة، بل عبر السيطرة الأمريكية المباشرة".
وبذلك يتحول حلف الناتو من تحالف شركاء إلى بنية أمنية أمريكية بإدارة فوقية، يصبح فيها الحلف أداة لخدمة المصالح الأمريكية بالدرجة الأولى. وفي الوقت الراهن، من المستبعد أن تفكر أي دولة أوروبية في الانسحاب من الحلف، إذ إن مجرد الإقدام على ذلك يعرّضها مباشرة للوقوع في مرمى روسيا دون مظلة الحماية الأمريكية.
ومن غير المتوقع أيضاً أن تدافع أوروبا عن الدنمارك في مواجهة أمريكا، بل قد تسعى للضغط عليها عبر المادة الخامسة من ميثاق الحلف، التي تنص على أن أي اعتداء على عضو يُعد اعتداءً على الجميع. غير أن الإشكالية هنا أن هذا ليس اعتداءً خارجياً، بل اعتداء من داخل الحلف نفسه، ومن قائده، وهو ما يُفرغ المادة الخامسة من روحها، ويفتح الباب أمام انقسام أوروبي محتمل.
وهنا تقف أوروبا أمام خيارين: إما القبول بواقع الناتو كأداة أمريكية لا كشراكة متكافئة، أو الشروع في مسار طويل وشاق لبناء أمن أوروبي مستقل، وهو مسار ستقف في وجهه كل من أمريكا وروسيا، كلٌّ من زاويتها الخاصة.
وهذا يقودنا إلى خلاصة مفادها أن الناتو بصيغته القديمة قد انتهى فعلياً، حتى وإن بقي اسمه قائماً.
وترى أمريكا أن بقاء غرينلاند ضمن السيادة الأوروبية يفتح الباب أمام اختراق صيني تدريجي، ولو عبر الاقتصاد والاستثمارات والأبحاث والبنية التحتية، في حين إن سيطرتها على غرينلاند تُغلق هذا الباب أمام الصين.
وتعتبر أمريكا غرينلاند خط الدفاع الأول ضد أي تحرك روسي أو صيني، أو في حال دخول العالم مرحلة فوضى نظامية مع تراجع الأحادية القطبية وصعود التعددية.
والحقيقة أن غرينلاند ليست صفقة عقارية، بل قطعة محورية على رقعة شطرنج النظام العالمي القادم. وهي اختبار صامت لطبيعة النظام الغربي نفسه؛ فعندما تطلب القوة القائدة لأكبر تحالف في العالم أرض أحد أعضائه تحت لافتة "الأمن القومي"، فإنها لا توسّع حدودها الجغرافية بقدر ما تقلّص مساحة الثقة، وتهبط بمكانتها الأخلاقية والقيادية.
وهنا لا يعود السؤال عن مصير جزيرة جليدية، بل عن مصير فكرة الشراكة في عالم بدأ فيه منطق القوة يطغى على منطق التوافق.
قد يسقط الناتو غداً، أو قد تستمر هياكله في أداء وظائفها العسكرية، لكن اللحظة التي يُعاد فيها تعريف الحلفاء بوصفهم "مواقع استراتيجية محتملة" لا "شركاء سياديين"، هي اللحظة التي يفقد فيها التحالف روحه، فيستمر شكلاً، وينتهي فعلاً.
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
نبيل عبد الكريم