Logo
طباعة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

من تراه سوف يأتي حاملا طُهر الوشاح؟

 

في آخر الليل، حين تخفت الأصوات، وتنام المدن على أرصفة مبللة بالإنهاك، أسمع شيئا لا يسمعه أحد. ليس بكاء طفل رضيع، ولا انفجارا يشق السماء، ولا خطابا سياسيا صارخا بلا معنى. أسمع صرخات مكتومة، صرخات الذين تعبوا من الانتظار. الانتظار ليس مجرد زمن يمر، بل هو سجن بلا جدران، هو أن تعيش معلقاً بين وعد طال انتظاره وعالم مصاب بالصمم وأمة كالغثاء تجبن في إمداد من يدافع عن مسرى رسولها بشربة ماء!

 

في قطاع غزة ينتظر الناس الحياة ليس طلبا لرفاهية بل ليلملموا ركام بيوتهم، أو ليدفنوا من تبقى منهم بكرامة. هناك صار الانتظار يعني القدرة على البقاء. هناك الوقت لا يمضي، بل يتكدس كغبار خانق فوق الصدور كالتائه في الصحراء كل أمل له يغدو سراباً.

 

وفي السودان صارت الأرض ساحة لجوع ونزوح وانقسام، مجازر حجبت عن شاشاتنا، ليس احتراما لمشاعرنا، لا بل لأن القاتل هو نفسه من يملك ذلك الإعلام. وها هم اليوم يعيشون سنوات من انتظار بلا أفق.

 

أما في مخيمات الشتات على حدود سوريا، فالانتظار له طعم الطين، خيمة لا تقي حرا ولا بردا، طفولة تنضج قبل أوانها، وذاكرة لا تستطيع أن تعود إلى بيت صار دماراً.

 

وفي أقصى الشرق خلف أسوار الصمت، تسمع صرخات مكبوتة حيث يقف الأويغور في تركستان الشرقية بين هوية تمحى وذاكرة تعاد صياغتها قسرا.

 

كل ما ذكرته آنفا من صرخات لا تشبه صرخة الأقصى وهو ينادي هل عاد صلاح؟ وهو يتأوه ألماً ويقول: هدّني طعن رماح عدو وصديق، هدّني خذلان أهلٍ مسراهم أضحى مُباح! صرخته كصرخة الثكلى بعد أن فقد جزءاً منه وتحول إلى كنيس، صرخة أسير مستباح، يُدنِّس جسدَه مستوطنون بأداء طقوس دينية تمهيدا لهدمه. صرخات لا تهدأ من تحت الأنقاض، ومن الأبواب المغلقة للأقصى.

 

وبين تلك الصرخات صوت آخر يرتفع في الخفاء؛ صوت من ينتظر قيام خلافتنا الراشدة، المنقذة من كل هذا الشتات، والحل لكل هذا النزيف، والمرفأ الأخير بعد طول التيه. لكن، هل يكفي الانتظار؟ هل تبنى الدول بالأمنيات؟ هل تنهض أمة لأننا نحلم بها فقط؟ أم لأننا نعيد بناء الإنسان الذي سيقيمها؟

 

الانتظار وحده يطيل المأساة، أما السعي فيصنع التحول، ولا يكون التحول إلا ضمن عمل جماعي كحزب التحرير الذي يمتلك المنهج الصحيح لإقامتها، فإن كنا نريد دولة واحدة تجمع شتاتنا، فعلينا السعي والعمل معه يدا بيد لأجل إقامتها وليس انتظار مخلص يخرج من السرداب! عندها فقط سنطيع من حمل طُهر الوشاح واتبع نهج الرسول وعرف سر الفلاح، عندها فقط لن نسمع صرخات ألم في ضجيج المدن، بل سنسمع صرخات فرح تعلن أن الانتظار انتهى، وأن الأمة قررت أخيرا أن ترتاح بدل أن تنتظر. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.

 

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

منال أم عبيدة

 

Template Design © Joomla Templates | GavickPro. All rights reserved.