- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
سلسلة مواقف مضيئة في تاريخ الإسلام
الحلقة الرابعة عشرة
حين تُختبر الدولة من الداخل: بنو قريظة ومعنى السيادة التي لا تتجزأ
قصة يهود بني قريظة ليست حادثة تاريخية معزولة، ولا فصلاً دموياً يُروى بلا سياق، بل هي لحظة كاشفة لمعنى الدولة حين تُختبر في أخطر ظروفها. في حصار الأحزاب، كانت المدينة محاطة بجيش جرار من الخارج، والبرد ينهش الأجساد، والخوف بلغت القلوب منه الحناجر. في تلك اللحظة الحرجة، لم يكن أخطر ما يهدد الكيان الناشئ هو السيوف خلف الخندق فقط، بل احتمال الطعن من الداخل.
بنو قريظة لم يكونوا جماعة تعيش خارج إطار الدولة، بل كانوا طرفاً في وثيقة المدينة، أي جزءاً من العقد السياسي الذي نظّم العلاقة بين مكونات المجتمع. لهم ما لباقي أهل المدينة من حماية، وعليهم ما عليهم من التزامات، وأبرزها عدم نصرة عدو على الدولة. حين نقضوا العهد في لحظة حصار وجودي، لم يكن الأمر خلافاً فكرياً أو نزاعاً اقتصادياً عابراً، بل خرقاً أمنياً في توقيت قاتل.
الدولة في تلك المرحلة لم تكن كياناً مترسخاً مستقراً، بل ما زال حديث الولادة. أي شرخ داخلي كان كفيلاً بإسقاطه. ولذلك، كان التعامل مع نقض العهد تعبيراً عن فهم عميق لحقيقة أساسية: السيادة لا تتجزأ. لا يمكن لدولة أن تقول إنها صاحبة قرار، ثم تسمح بوجود أطراف تتحرك عسكرياً أو سياسياً خارج إطارها، خاصة في زمن الحرب.
من المهم أن نفهم أن القضية لم تكن عقابا عشوائيا، ولا استهدافاً بسبب الدين، فيهود المدينة لم يكونوا كتلة واحدة، وقد استمر بعضهم في العيش ضمن الدولة ما داموا ملتزمين بالعهد. المسألة كانت سياسية وأمنية بحتة: عقد نُقض في ظرف حرب. في كل النظم السياسية عبر التاريخ، يُعدّ الخرق العسكري للعهد أثناء الحرب خيانة عظمى.
الدرس هنا ليس في تفاصيل الأحكام بقدر ما هو في المبدأ: الدولة التي تتهاون في سيادتها تفتح الباب لفوضى لا تنتهي. حين يشعر أي طرف داخلي أنه يستطيع التلاعب بالتوازنات أو الاستقواء بالخارج دون تبعات واضحة، تتحول الدولة إلى ساحة صراع مفتوح، لا إلى إطار جامع.
إذا نقلنا هذا المعنى إلى واقعنا المعاصر، نجد أن مفهوم السيادة أصبح في كثير من الأحيان شعاراً أكثر منه ممارسة. هناك دول تُعلن استقلالها، لكنها ترتبط باتفاقيات تجعل قرارها الاقتصادي أو العسكري مرهوناً بجهات خارجية. وهناك كيانات داخل بعض الدول تمتلك سلاحاً أو نفوذاً يتجاوز سلطة الدولة نفسها. في مثل هذه الحالات، تتآكل هيبة الكيان السياسي تدريجياً، حتى لو بقي الاسم قائماً.
السيادة ليست مجرد علم يُرفع، ولا نشيد يُنشد، بل قدرة فعلية على فرض القانون على الجميع دون استثناء. حين تُطبّق القوانين بانتقائية، أو يُسمح لبعض الأطراف بأن تكون "فوق المحاسبة"، يتشكل شعور عام بأن الدولة ضعيفة أو متحيزة، ويبدأ الانقسام بالتوسع.
قصة يهود بني قريظة تضعنا أمام معادلة دقيقة: العدل لا يعني السذاجة، والتسامح لا يعني التغاضي عن تهديد وجودي. الدولة يجب أن تضمن الحقوق وتحفظ العهود، وتحاسب بوضوح من ينقض العقد السياسي. والرحمة قيمة عليا، لكنها لا تُستخدم ذريعة لتعطيل مقتضيات الأمن العام. فلم تكن الغاية النبوية تثبيت سلطة شخصية، بل حماية كيان سياسي يمثل مرجعية واضحة، ويؤسس لنظام حياة كامل. لذلك كان التعامل مع نقض العهد جزءاً من تثبيت الاستقرار، لا من تصفية حسابات.
الدولة التي تريد البقاء تحتاج إلى وضوح في السيادة، وعدل في التطبيق، وحزم في مواجهة التهديدات الوجودية. لأن السيادة، إن قُسّمت أو جُزئت، لا تبقى سيادة، بل تتحول إلى عنوان بلا مضمون.
قصة بني قريظة تذكير بأن الكيان السياسي ليس فكرة عائمة، بل عقد ملزم. ومن يحترم العقد يُصان حقه، ومن ينقضه في ساعة الخطر يتحمل تبعات قراره. هكذا تُبنى الدول، وهكذا تُحمى من الانهيار من الداخل قبل أن تسقط بضربة من الخارج.
إن هذه الضمانة ﻻ يمكن أن توجد وتستقر إلا بوجود دولة الإسلام وفي ظلها خلافة راشدة على منهاج النبوة.
المكتب الإعلامي لحزب التحرير
في ولاية مصر