Logo
طباعة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

فتح مكة تذكرة رائعة بنبل أخلاق جيش الإسلام في النصر

 

 

كان فتح مكة في 20 رمضان من السنة الثامنة للهجرة نصراً مؤزراً للمسلمين. حيث انطلق جيش المسلمين، وعدده عشرة آلاف مقاتل، من المدينة المنورة لفتح مكة، حتى وصلوا إلى مرّ الظهران، على بعد نحو خمسة كيلومترات من مكة، من غير أن تعلم قريش بذلك. ولما علمت قريش بقدومه، استبد بها الخوف. فهي التي قبل أن يصبح للمسلمين دولة، قد شوَّهت سمعتهم، وحاصرتهم وعذبتهم وقتلت منهم الشهداء، وتآمرت على اغتيال النبي ﷺ مخافة أن يشتد أمر الإسلام. وبعد قيام دولة المسلمين، قاتلتهم في بدر، ثم جمعت الأحزاب لقتالهم في غزوة الخندق. ومع ذلك، فإن الأمة الإسلامية هي أمة الرحمة للعالمين، نبيها محمد ﷺ، ورسالتها نبيلة، غايتها دعوة البشرية كلها إلى الإسلام وتيسير سبل الدخول فيه. لذلك قال النبي ﷺ: «نَعَمْ، مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ».

 

ثم أمر رسول الله ﷺ أن يقف أبو سفيان في طرف الوادي حيث يمر الجيش كله من أمامه ليرى عظمته. وبعد ذلك سار ﷺ فدخل مكة وهو على أهبة الاستعداد، وقد أوصى قادته أن ينقسم الجيش إلى أربعة أقسام وألا يُقاتلوا أو يُسفك دمٌ إلا إن أُجبروا على ذلك. فدخل الجيش مكة دون مقاومة تُذكر، إلا في الجهة التي كان فيها خالد بن الوليد، فتعامل معها سريعاً. ثم قال رسول الله ﷺ: «يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ مَا تَرَوْنَ أَنِّي فَاعِلٌ بِكُمْ؟» فقالوا "خَيْراً، أَخٌ كَرِيمٌ وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ"، فقال ﷺ: «اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ». هكذا هو جيش الإسلام: قوي في الإعداد، شجاع في القتال، رحيم عند النصر. وقد ظل هذا المثال يتردد في فتوحات جيوش المسلمين عبر القرون.

 

انظر إلى دخول صلاح الدين الأيوبي القدس سنة 583هـ - 1187م، حين حررها من الصليبيين. حيث أظهر رحمة عظيمة، فحدد فِدى معقولة للأسرى الصليبيين، وأمر بإعادة بناء المدينة وإزالة آثار التغيير التي أحدثها الصليبيون.

 

سمح للنصارى بالبقاء فيها ودفع الجزية والعيش في ظل الدولة الإسلامية، ورفض هدم الكنائس. كما شملت رحمته أسرى الصليبيين، فأطلق سراح كثير منهم وأكرم عائلات قتلاهم. وقد أقرّت المصادر النصرانية والمؤرخون برحمته وإنسانيته، في تباين واضح مع الجرائم والمجازر التي ارتكبها الصليبيون من قبل. وبعد ثمانية أيام من التحرير، تم تطهير المسجد الأقصى وأقيمت فيه أول صلاة جمعة.

 

فيا له من تباينٍ بين جيش المسلمين وجيوش أعدائهم! فهؤلاء يجمعون الأحلاف لشن الحروب المدمرة على المسلمين، فيقصفون الأطفال والنساء، ويعذبون الرجال، وينتهكون الأعراض، ويهدمون البيوت والمدارس والمساجد، وينهبون الثروات، ويفتخرون بانتهاك قوانين الحرب، ويفرحون بحصارهم الظالم الذي يمنع عن المسلمين لقمة العيش وجرعة الماء، ثم يصفون الإسلام بالإرهاب والمسلمين بالإرهابيين!

 

أيها المسلمون: تأملوا فتح مكة في زمن الابتلاء هذا. فإن نصر الله للمؤمنين على الطغاة آتٍ لا محالة، طال الزمان أم قصر. فاثبتوا على دعوتكم للإسلام رغم مشاق الحياة، واستمروا في العمل لإعادة سلطان الإسلام رغم ظلم الجبابرة، وداوموا على مطالبة جيوش المسلمين بنصرة الدين رغم تعلقهم بعصبيات القومية والعلمانية، وكونوا على يقين بأن الله سبحانه ينصر من ينصره ولو بعد حين. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾.

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مصعب عُمير – ولاية باكستان

 

 

 

Template Design © Joomla Templates | GavickPro. All rights reserved.