- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
التغيير الجذري، رؤية من قبس الوحي
﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾
في المقالة السابقة تحدثنا عن كيف يكون الإيمان بالغيب واستشعار الحساب والوقوف أمام الله يوم القيامة محركاً للعمل الجاد المخلص لله سبحانه، وكيف ميَّز الله أمة الإسلام بأنها تستسلم لأوامر الله فتعمل وفق مراده، بينما كان بنو إسرائيل يسمعون كلام الله ثم يقولون سمعنا وعصينا.
والمتدبر في خواتيم سورة البقرة يدرك هذه المعاني، وليس من فراغ أن الرسول ﷺ أوصانا بقراءة الآيتين الأخيرتين من سورة البقرة كل ليلة فقال: «مَنْ قَرَأَ الْآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ». والأذكار تُقرأ بقلب حيٍّ يستحضر فيها المسلم معنى ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾. يستحضر القلب معنى أنه عبد لله، وأن عبوديته لربِّه تعني إيماناً وعملاً وجهاداً في سبيل هذا الدين، على خلاف بني إسرائيل الذين قال عنهم: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ﴾. هذه المعاني واستحضارها في قلب المؤمن، تدفعه للبحث عن سبيل العمل الذي يُفضي لنصرة دين الله ويُسقط عنه إثم القعود.
تمتلئ آيات القرآن بمعاني الصراع الفكري مع الأمم والأقوام الأخرى، والكفاح السياسي الذي يفضح سوءات الظالمين ودجلهم وخواءهم الفكري والأخلاقي. والله سبحانه في هذه الآيات كان يلقِّن الرسول والمؤمنين من بعده الحجج الدامغة على بطلان دعاوى المشركين وأهل الكتاب. ﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ﴾. فلفظة "قل" و"قولوا" كانتا دائماً تحملان حججاً للرد على أهل الباطل، لتنسف عقائدهم وأهواءهم. وهذه المسألة وانتشار هذه المعاني في كتاب الله لتدل دلالة قطعية أن المسلم مأمور بخوض الصراع الفكري مع كل ما يخالف دينه، ومأمور بمكافحة الظالمين وكشف فسادهم. ولهذا فقد قال رسول الله: «سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ حَمْزَةُ، وَرَجُلٌ قَامَ إِلَى إِمَامٍ جَائِرٍ، فَأَمَرَهُ وَنَهَاهُ، فَقَتَلَهُ».
وما دامت أمة الإسلام هي الشاهدة على الأمم، وهي التي تحمل الحق، ومأمورة بتبليغه والدعوة له، بل ولا تكون الدعوة له إلا بتبيان بطلان ما سواه، على نهج التخلية والتحلية، فإن الله سبحانه قد أوجب عليها أن يكون فيها من يقوم بهذه المهام العظيمة. وإن الله لمَّا فرض الفرائض قد فصَّلها وبين أحكامها، فلم يكن للمسلمين شأن إلا كان الله قد سطّر لهم أحكامه بل وضَّح فرائضه ونوافله، وما يجوز فيه وما لا يجوز، أوقاته وكيفية القيام به. وهذا واضح في كل الشعائر كالحج والصلاة والوضوء وأحكام الطهارة عامة، وأحكام البيع والشراء والدين والشهادة.. فالإسلام عقيدة ينبثق عنها نظام، أي أنَّ كل أحكامه تحمل جانبين: الفكرة والطريقة.
وما دمنا نتحدث عن التغيير من منظور الوحي، ودور الأمة في معركة المفاصلة بين الحق والباطل ووجوب خوض الصراع الفكري والكفاح السياسي والصدع بالحق.. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن هذه الفروض قد وضَّح الإسلام لها أحكامها، فقد افترض الله على الأمة أن يكون من بينها جماعة تقوم بهذه الفروض: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أي خوض الصراع الفكري والدعوة للإسلام، وهذا ما لم تخلُ منه الأمة في كل عصورها السابقة.. فقد وُجِد في الأمة من يقوم بهذا الفرض من علماء ربانيين وحكام يحملون الإسلام بالدعوة والجهاد. لكن منذ هُدِمت دولة الإسلام فقد حكم الرويبضات بغير دين الله، وصار للباطل في بلاد المسلمين صولة وجولة، بل صارت الأفكار المخالفة للإسلام هي التي يتم تعليمها للنشء وبثها في المجتمع. من هنا كان الواجب على المسلمين أن يوجد فيهم حزب سياسي يقوم بمهمَّة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأجل تغيير هذا الواقع واستئناف الحياة الإسلامية التي يمارس فيها المسلمون دينهم بلا أي خوف على فكر المجتمع وحسِّه من أي فكر دخيل، بل تتفرغ الأمة حينئذ لنشر الإسلام للأمم الأخرى وتوضيح بطلان معتقداتهم.
فانظروا يرحمكم الله للتباين: بدل أن تتفرغ الأمة لخوض الصراع الفكري مع الأمم الأخرى، تجاهد حالياً قلة منها لخوض الصراع الفكري في بلاد المسلمين مع الأفكار الدخيلة حتى تقنع الأمة بضرورة التغيير الجذري حتى تنهض وتعود كما يريد لها الله: ﴿تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾.
وبالعودة للحزب السياسي الذي أوجب الإسلام وجوده حتى يخوض غمار التغيير، ووضَّح طريقة عمله بأنه عمل سياسي يقتصر على الصراع الفكري والكفاح السياسي لأجل صناعة رأي عام في الأمة على دين الله وعلى أفكار التغيير والنهضة، فإن هذا الحزب أو الجماعة أو الثُّلة، حين حمل أمانة عظيمة هي العمل لاستئناف الحياة الإسلامية وتغيير الواقع الذي غرقت فيه الأمة في بحر الظلمات لتعود أمة النور ومشعل الخير للبشرية.. فحريٌّ به أن يكون على قدر هذه المهمة العظيمة من النقاء والثبات والإخلاص.
روى معاذ بن جبل وثعلبة بن غنم رضي الله عنهما أنهما قالا: "يا رسول الله، ما بال الهلال يبدو دقيقاً (صغيراً) ثم يزيد حتى يستوي ويستدير، ثم ينقص حتى يرجع كما كان؟" فأنزل الله قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾. واللافت في هذه الآية والذي دفعني لكتابة هذا المقال، أن الله سبحانه لم يعط المسلمين جواباً عن "كيف" إنما وضَّح لهم: "لماذا".
والقرآن في تربيته للمسلمين ينقلهم من الانشغال بالتفاصيل التي لا تلزم في سيرهم إلى الله، بتوجيه النظر إلى الأحكام التي تهمُّ المسلم وهو يعمل كخليفة في الأرض. لذلك نجد أنه في ذكر قصص الأنبياء لم يتناول كثيراً من تفاصيل حياتهم أو أسرهم أو أقوامهم، بل كان خطاب القرآن خطاب تربية للعقول على الفهم والعلم المفضي للعمل الذي يدفع المسلم لتغيير حاله والعمل للتغيير في أمته حتى يتشكل مجتمع حسب معايير القرآن.
وهكذا فالأصل في الحزب العامل للتغيير أن يتعامل مع كتاب الله وأحكامه تعامل المستسلم، المنقاد لأحكام اللطيف الخبير. وهذه أول خصلة على الجماعة العاملة للإسلام أن تمتلكها حتى تنال شرف ﴿وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. أي يتلقَّى الأمر ويعمل به دون أن يناقش في تبعاته أو أثر القيام به على حاله وما سيواجهه من عدوه إن قام بكذا أو كذا.
والخصلة الثانية: هي أن يكون على بصيرة: سياسياً واعياً، حال قيادته وكل من آمن بفكرته والتزم بطريقته في التغيير: ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. فالإنسان الذي لا يعرف دينه يصبح هدفاً سهلاً للقضاء عليه، والمسلم الذي لا يحمل دينه عن اعتزاز وثقة بأنه الحق ووعي سياسي على حاله وحال عدوِّه يسقط في فخ الحماسة الممزوجة بالسذاجة التي كان سيدنا عمر يحذر منها بقوله: (لست بالخِبِّ ولا الخِبُّ يخدعني). ولهذا نجد أن القرآن يأمر رسول الله بقوله، وهذا خطاب للمسلمين من بعده: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾. فالله تعالى عن ذلك لا يُخادع، والإسلام واضح وضوح الشمس لا يحتاج العاملون لنصرته إلى أساليب ملتوية أو مداهنات يميعون معها دين الله كيف يحصلون "بزعمهم" على "مكاسب سياسية" متوهَّمة. فهذه الأساليب مرفوضة في دين الله جملة وتفصيلاً وقد رفضها رسول الله ﷺ منذ بعثته ورفض أن يستعملها حتى في أشد لحظات حياته صعوبة.. بل كان طرحه قوياً طرح مفاصلة لا مهادنة استجابة للتحذيرات التي كان يتنزل بها جبريل: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَاداً كَبِيراً﴾ وقوله سبحانه: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَن يَقُولُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾.
والخصلة الثالثة بعد الوعي المنبثق عن البصيرة والثقة بأحكام الله ثقة تنتج انقياداً دون مجادلة ولا تأويل أو لف ودوران في العمل، هي الإخلاص لله سبحانه في العمل. فالله سبحانه مطَّلع على القلوب والأعمال، لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء. ومن قدر الله حقَّ قدره، حرم عليه أن يخادع نفسه أو يخادع ربَّه. فمن صفات أهل الكتاب التي حذرنا القرآن منها ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾. والله سبحانه قد قال لرسوله بشكل حاسم: ﴿وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾. وهذا خطاب عظيم للمسلمين: لا فضل لأحد في الثبات، ولا حاجة لله بعمل أحد أو جهده، والله هو الغني، إذاً فليكن عملك للإسلام استجابة لأمر الله، لا لأن هذا العمل فيه ظهور للناس، ولا لأجل مكسب سياسي تتوقعه في قابل الأيام أو لأجل كرسي تناله. والمتدبر في غزوتي أحد وحنين وآيات سورة آل عمران والتوبة تظهران كيف أن الأمر كله لله.
وما أفسد على كثير من الحركات السياسية في البلاد الإسلامية عملها، وجعلها عقبة في طريق استئناف الحياة الإسلامية إلا فقدانها لأحد هذه الخصال الثلاث أو جميعها. فالفشل في الثبات على دين الله والنكوص على الأعقاب مبعثه إما جهل بالإسلام وأحكامه وتمايزه عمَّا سواه، أو سوء خبيئة وميل لدنيا، أو الركون للظالمين من اليهود والنصارى ناجم عن عدم معرفة يقينية بالله وأنه القادر وأنه ﴿فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً﴾.
فالإسلام وطريقته في الحكم والسياسة والاقتصاد يسير في مسار مختلف تماماً عن مسار الرأسمالية في البناء والتشريع. ومن يحاول قولبة أحكام الإسلام لتتكيف مع الرأسمالية والنظام الدولي الذي ولَّدته للبشر هو إما جاهل أو عميل.. والأمة لا تعطي قيادتها لجاهل ولا عميل، وسرعان ما يتهاوى بناؤه وينقض غزله من بعد قوِّة أنكاثاً.
ومهما طال الزمان أو قصر: فهذا دين محفوظ من الله القوي العزيز، ولا حقَّ سواه، ولن يبقى في الأرض إلا هذا الدين والمخلصون العاملون له الذين ينامون على الخوف فيبدلهم الله بتمكين يعبدون الله فيه لا يشركون به شيئاً. وإنها أيام والعدة فيها ثبات وإخلاص.
﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾
كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
بيان جمال
#رؤية_حقيقية_للتغيير
#TrueVision4Change