Logo
طباعة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

أس البلاء هي أنظمة الحياة العلمانية فكفى تخديراً لعقولكم بأنظمة التغذية!

 

أنظمة التغذية التي فرخت الدعاية والدعوة لها وتناسلت وتكاثرت في دنيا المسلمين هذه الأيام، وتضخم معها الاهتمام والاشتغال بها وعليها وأصبحت قضية حياة عند البعض، ومعها السجال المحموم الدائر اليوم حولها وافتتانهم بها، والمعركة الكلامية حول أحد هذه الأنظمة، ما سمي "بنظام الطيبات"، شاهد على أن هذه الأنظمة صارت شغل البعض وهمّهم ومحل تنازع وخصومة!

 

هذه الأنظمة واشتغال طيف كبير من الناس بها وتحول الأمر إلى قضية مركزية للحياة والتعاطي معها كهوس وإدمان، يدفع بنا نحن المسلمين لنتساءل عن هذا الاهتمام المبالغ فيه بصحتنا في ظل أنظمة وظيفية للاستعمار وهي في الأصل معامل للأسقام والأورام، ما يثير الريبة والشكوك حول هذه الدعوة والدعاية المحمومة لأنظمة التغذية في بلادنا المنهوبة المنكوبة، فهل الأمر فعلا متعلق بصحة الناس ووقايتهم من الأسقام والحرص على عافيتهم أم أن وراء الأكمة ما وراءها؟

 

ولسبر أغوار قضية أنظمة التغذية التي غزت المنصات اليوم وصارت شغل الناس وهمهم، لا بد من الحفر في جذورها وزمن تاريخ انفجار فقاعتها الإعلامية في بلادنا وبين أبنائنا تحديدا.

 

لقد بدأت الدعاية لأنظمة التغذية في الدول العربية فعلياً في أوائل العقد الأول من الألفية الثالثة، وتزامنت الطفرة الإعلانية والإعلامية لأنظمة التغذية مع حرب الأفكار واستراتيجية حرب العقول التي أطلقتها أمريكا عام 2001 وسمتها الحرب على أيديولوجية الكراهية، واتخذت أمريكا والغرب حينها من حرب الإسلام ثقافيا وحضاريا استراتيجية وسياسة كبرى، فلم تكن محض مصادفة بل كانت هذه الطفرة الإعلامية لأنظمة التغذية غزوا ثقافيا ناعما وشقاً أصيلا في حرب الأفكار التي تستهدف الإسلام كمبدأ ومنظومة حياة ونمط عيش، وكانت هذه الطفرة الإعلامية لأنظمة التغذية أداة من أدوات حرب الأفكار وأسلوبا في العلمنة شديد الخفاء، وغزوا ثقافيا ناعما بأنماط الحياة الغربية عبر طرائق المأكل والملبس والوقاية والصحة.

 

فالجذور الثقافية لمفاهيم أنظمة التغذية بذرتها هي الفلسفة العلمانية الغربية، وهذه الفلسفة أساس هيكلها الثقافي هو فصل المادة عن الروح وفصل الدين عن الحياة، وهذا الفصل من مقتضياته ومقدماته جعل المادة مركز الفلسفة العلمانية ومحور انشغالاتها وقضاياها، ما يولد الاشتغال المفرط على المادة والاهتمام الأحادي بها على حساب الدين بعد تهميشه فكرا وسلوكا انتهاء إلى عزله وإقصائه.

 

والهدف من توليد مسألة أنظمة التغذية والضخ الإعلامي المكثف المتعلق بها والزج بها في حياتنا، لم يكن أبدا من باب الاهتمام بصحتنا؛ فسوء الرعاية وفساد وإفساد أحوالنا الصحية هي السياسة الرسمية للأنظمة الوظيفية للاستعمار في بلادنا، بل كان الهدف وما زال تنميطا ثقافيا بأنماط الحياة الغربية (برامج الطبخ وقنواتها، برامج الصحة، برامج الأزياء، برامج الفنون...)، أما الغاية العلمانية الكبرى التي تستهدفنا فهي جعل المسألة الإنسانية محصورة في جسد الإنسان كمادة وصحته وتغذيته وتضخيم هذا الاهتمام والاشتغال عليه ليصبح قضية مصيرية عند صاحبه، فتضيع معه كل القضايا المصيرية الحقيقية عن سبب وجوده وغاية وجوده ومصيره، وهذه قضايا فكرية وليست قضايا مادية، وهي قضايا تجد حلها في الدين بامتياز وحلها الصحيح في الإسلام تحديدا، وهي حقيقة المعضلة الإنسانية وحقيق العقدة الكبرى لدى البشر، ومتى حلت حل معها كل قضايا الحياة لأنها فرع عنها.

 

فقضية الإنسان المصيرية متعلقة بأنظمة الحياة وليست بأنظمة التغذية، فأنظمة التغذية تبع للحلول التي تقدمها أنظمة الحياة، لكن حرب الأفكار وفي خبيث مكرها لتزييف الوعي وتخدير عقول أبناء المسلمين وإشغالهم عن حقيق قضاياهم المصيرية والتي هي قضايا فكرية تجد حلها الصحيح في الإسلام العظيم وبالإسلام، أشغلتهم بقضايا مادية مفخخة بألغام العلمانية وحولت اهتماماتهم إلى أجسادهم وأنظمة تغذيتها على حساب حقيق مشاكلهم وحلولها من إسلامهم العظيم!

 

ولم يَتَنَبَّهُوا أن أنظمة التغذية الفاسدة التي أرهقتهم واستنزفت عقولهم وصحتهم هي فرع عن أنظمة الحياة العلمانية الفاسدة، والتي تعتبر العلمانية الغربية بذرتها الخبيثة والرأسمالية الغربية جذرها الخبيث، فصاروا يَرْجُون ثمرة طيبة من بذرة خبيثة ونظام تغذية صحي من نظام حياة علماني فاسد متعفن، فدخلوا دوامة العلمانية من بوابة أنظمة التغذية يدورون حول رحى خبثها وعفنها.

 

فهذا الانفجار الإعلامي الكبير المريب لفقاعة أنظمة التغذية لم يكن بريئا بل كان مكرا خبيثا يدار من وراء ستار غليظ ظاهره الرحمة وباطنه العذاب، يُسوَّق ويُروَّج كنظام للصحة وهو حقيقة شق من نظام للعلمنة والتنميط الثقافي العلماني، وادعاؤه الزائف الباطل أن المشكلة في جسدك وليست في عقلك وتفكيرك وطريقة حياتك، وحلها في طعامك وليس في إسلامك ونمط العيش والحياة به، وخلف الستار يختفي التصميم والتخطيط لحرب الأفكار الغربية العلمانية، وأدوات تنفيذها هي الأنظمة الوظيفية المحلية وتوابعها.

 

فلقد انطلقت الدعاية لأنظمة التغذية على شكل حملات حكومية رسمية تزامنا مع حرب الأفكار الأمريكية واستراتيجيتها الشاملة في حرب الإسلام، وأوكلت أمريكا بها منظماتها الدولية وعلى رأسها منظمة الصحة العالمية لفرضها كسياسات محلية، فقد أطلقت منظمة الصحة العالمية سنة 2004 أول وثيقة بشأن النظام الغذائي والنشاط البدني والصحة موجهة إلى الدول العربية، لتبنيها كسياسة وخطط وطنية للصحة البدنية ومواجهة الأمراض غير المعدية الناتجة عن سوء التغذية، تلاها لاحقاً انتشار لبرامج الحميات الغربية عبر الفضائيات العربية والبرامج الإعلامية، وصولاً إلى عصر الترويج والتسويق الرقمي عبر وسائل التواصل والشبكة الرقمية.

 

فقد بدأت وزارات الصحة في الدول العربية (مثل دول الخليج والأردن ومصر ودول المغرب) الدعاية لأنظمة التغذية عبر حملات مكثفة، ثم تلتها موجة من دعاية عبر شخصيات تم تلميعها وإشهارها إعلاميا كأطباء وخبراء التغذية عبر برامج إعلامية رسمية وعبر موجات الراديو تحديدا ومنصات التواصل، والتي روجت لأنظمة معينة مثل حميات الكيتو، والديتوكس، وحميات فصل الأطعمة، ثم تلاها عصر التسويق الرقمي والمكملات الغذائية حتى وقتنا الحاضر، وانتقلت الدعاية بشكل مكثف إلى منصات التواصل (إنستغرام، يوتيوب، وتيك توك) ومعها نمت شركات الأغذية والمكملات وأصبحت الدعاية موجهة بشكل مباشر للجمهور للترويج لمنتجات معينة مثل الأطعمة العضوية، والمنتجات الخالية من الجلوتين، والمكملات الغذائية وغيرها كثير...

 

فهذه الدعاية المغرضة لأنظمة التغذية هي حقيقة حملة علمانية شديدة الخفاء اتخذت من أنظمة التغذية دثارا وستارا، وهي شق من حرب الأفكار التي اتخذت من أنظمة التغذية سلاحها الخفي، وخاطبت غريزة البقاء في الجماهير وخوفهم من الأمراض، وهي حقيقة تستهدف عقولهم ومفاهيم حياتهم الإسلامية تحديدا، تسعى لسلخهم من إيمانهم ومفاهيم إسلامهم الذي يعطيهم التفسير الحقيقي لوجودهم سببا وغاية ومصيرا وسعادة ونعيما، ويسلط الضوء على حقيقة المعضلة التي يعانون منها وتعاني منها البشرية جمعاء، من أن ضنك العيش والأسقام والأمراض والاكتئاب والانتحار ومثلها من الآفات الكثير، سببها فساد أنظمة الحياة، وما فساد أنظمة التغذية إلا بعض نتائجها وأعراضها.

 

فجدير بالمسلم أن يتعامل مع قضايا مأكله وملبسه وصحته من زاوية عقيدته الإسلامية لا من زاوية الغريزة وخفي الفلسفة العلمانية، والأجدر به أن يعي على حقيقة العلمانية الرأسمالية الغربية الكافرة الملعونة كنظام حياة، والتي أفسدت الماء والهواء وتربة الأرض وماء السماء والبحر، والتي تشويهاتها (تعديلاتها) الجينية الملعونة أفسدت النبات والحيوان على السواء وأفرزت خبيث الأسقام، فطلب نظام تغذية سليم من مستنقع متعفن آسن هو عين الحمق!

 

فالقضية ابتداء هي في الخروج من المستنقع العلماني الرأسمالي الغربي الآسن وليس الاشتغال ببعوض أعراضه وتداعياته، ثم بعدها طلب الطهارة والتطهر بالإسلام العظيم وأنظمة حياته التي فيها وبها نعيم الدنيا والآخرة. ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾.

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مُناجي محمد

 

Template Design © Joomla Templates | GavickPro. All rights reserved.