Logo
طباعة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

قمة الناتو في أنقرة

إعادة تسليح أوروبا أم بداية إعادة تشكيل النظام الدولي؟

 

 

لم تكن قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) التي انعقدت في أنقرة مجرد اجتماع دوري لبحث التطورات الأمنية والعسكرية، بل بدت وكأنها إعلان غير مباشر عن دخول الغرب مرحلة استراتيجية جديدة، عنوانها إعادة بناء القوة العسكرية، وإعادة هيكلة الاقتصاد، والاستعداد لعالم لم يعد يشبه ذلك الذي نشأ بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.

 

فالقرارات التي خرجت بها القمة، وما سبقها من توجهات أوروبية وأمريكية، تؤكد أن الحرب في أوكرانيا لم تعد حدثاً طارئاً، بل أصبحت نقطة تحول تاريخية أعادت تعريف الأمن الأوروبي، ودفعت العواصم الغربية إلى الاقتناع بأن مرحلة "السلام الرخيص" قد انتهت، وأن الردع العسكري عاد ليصبح أساس الاستقرار السياسي والاقتصادي.

 

غير أن أخطر ما حملته القمة لم يكن الإعلان عن زيادة الإنفاق العسكري أو استمرار دعم أوكرانيا، وإنما الإقرار الضمني بأن الاقتصاد الأوروبي نفسه سيدخل مرحلة جديدة، يمكن وصفها بـ"اقتصاد إعادة التسلح". فالمليارات التي ستضخ في الصناعات العسكرية لن تأتي من فراغ، بل ستقتطع من موازنات مثقلة أصلاً بديون مرتفعة، وتباطؤ اقتصادي، وشيخوخة سكانية، وأزمات طاقة، وتراجع في القدرة التنافسية للصناعة الأوروبية أمام أمريكا والصين.

وهنا تبرز المفارقة الكبرى؛ فأوروبا مطالبة اليوم بتمويل أكبر عملية إعادة تسلح منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، في الوقت الذي تواجه فيه تحديات اقتصادية غير مسبوقة. فارتفاع الإنفاق الدفاعي يعني زيادة الاقتراض أو فرض ضرائب جديدة أو تقليص بعض أوجه الإنفاق الخدماتي، وهي خيارات قد تحدث ضغوطاً سياسية داخلية وتغذي صعود الحركات الشعبوية والاحتجاجات المجتمعية في عدد من الدول الأوروبية.

 

وفي الوقت ذاته، يبدو أن أمريكا نجحت في إعادة توزيع الأعباء داخل الحلف، فهي لا تتخلى عن قيادة الناتو، لكنها تدفع حلفاءها الأوروبيين إلى تحمل القسم الأكبر من تكلفة الدفاع عن القارة، بينما تتفرغ هي بصورة متزايدة للمواجهة الاستراتيجية مع الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، باعتبارها المنافس الأكبر اقتصاديا وتكنولوجيا خلال العقود المقبلة.

 

ومن زاوية أخرى، فإن إعادة التسلح الأوروبية ليست مشروعاً عسكرياً فحسب، بل مشروع اقتصادي أيضاً. فتنشيط الصناعات الدفاعية يعني إعادة تشغيل المصانع، وتحفيز البحث العلمي، وخلق فرص عمل، وتوجيه الاستثمارات نحو القطاعات التكنولوجية المتقدمة. غير أن هذا النمو سيكون مرتبطاً باقتصاد الصراعات أكثر من ارتباطه باقتصاد التنمية، وهو ما يثير تساؤلات حول قدرة أوروبا على الحفاظ على نموذجها الاقتصادي والاجتماعي الذي ميّزها لعقود.

 

أما تركيا، فقد خرجت من القمة وهي أكثر أهمية من أي وقت مضى. فاختيار أنقرة لاستضافة هذا الاجتماع في هذه المرحلة الحساسة يعكس إدراكاً غربياً متزايداً بأن الموقع الجغرافي لتركيا أصبح عنصراً لا غنى عنه في معادلات الأمن الأوروبي، سواء فيما يتعلق بالبحر الأسود، أو شرق المتوسط، أو القوقاز، أو الشرق الأوسط. كما أن التقارب النسبي بين أنقرة والعواصم الغربية يوحي بمحاولة احتواء الخلافات السابقة، وإعادة دمج تركيا بصورة أعمق في الترتيبات الأمنية المقبلة.

 

في المقابل، تنظر موسكو إلى هذه التطورات باعتبارها انتقالاً من سياسة الاحتواء إلى سياسة الاستنزاف طويل الأمد. ولذلك، فمن المرجح أن تواصل روسيا توسيع إنتاجها العسكري، وتعزيز شراكاتها مع الصين وإيران وكوريا الشمالية، بما يرسخ انقسام العالم إلى كتل متنافسة، لكل منها منظومتها الاقتصادية والتكنولوجية والأمنية.

 

ولا يمكن فصل هذه التحولات عن الشرق الأوسط، الذي يزداد وزنه الاستراتيجي كلما احتدم التنافس بين القوى الكبرى. فالمنطقة ليست مجرد مصدر للطاقة، بل أصبحت عقدة رئيسية لطرق التجارة العالمية، وممرات النقل البحري، والاستثمارات، والمشاريع اللوجستية. ومن هنا، فإن أي إعادة تشكيل للنظام الدولي ستنعكس مباشرة على سياسات دول المنطقة، التي ستسعى إلى تنويع شراكاتها وتجنب الارتهان لمحور واحد.

 

لكن ما يجري اليوم يتجاوز الحرب في أوكرانيا أو حتى مستقبل الناتو. فالعالم يشهد تحولاً أعمق يتمثل في انتقال الاقتصاد العالمي من مرحلة العولمة المفتوحة إلى مرحلة الاقتصاد الجيوسياسي، حيث أصبحت اعتبارات الأمن القومي تحدد مسارات التجارة، والاستثمار، والتكنولوجيا، والطاقة، وسلاسل الإمداد. ولم تعد الكفاية الاقتصادية وحدها هي المعيار، بل أصبحت القدرة على الصمود في الأزمات، وتأمين الموارد، وبناء الصناعات الاستراتيجية، عناصر حاسمة في قوة الدول.

 

إن إعادة التسلح الأوروبي ليست سوى أحد مظاهر هذا التحول الكبير. فكما أعادت الحرب العالمية الثانية تشكيل الاقتصاد العالمي، وكما أسست الحرب الباردة لنظام دولي استمر عقوداً، فإن الحرب الروسية الأوكرانية تبدو مرشحة لأن تكون الشرارة التي تؤسس لنظام عالمي جديد، تتراجع فيه الأحادية القطبية، وتتصاعد فيه المنافسة بين أمريكا والصين وروسيا، مع بروز قوى إقليمية تمتلك هامشاً أوسع للمناورة والتأثير.

 

وعليه، فإن قمة الناتو في أنقرة قد لا تذكر مستقبلاً باعتبارها اجتماعاً عسكرياً عادياً، بل باعتبارها إحدى المحطات التي أعلن فيها الغرب بداية مرحلة جديدة: مرحلة إعادة بناء القوة العسكرية، وإعادة هيكلة الاقتصاد، والاستعداد لعصر تتقدم فيه الجغرافيا السياسية على الاقتصاد، وتصبح القوة الصناعية والعسكرية هي الضامن الأول للمكانة الدولية.

 

ويبقى السؤال الذي سيحدد شكل العقود القادمة: هل يستطيع الغرب تمويل هذا التحول الضخم دون أن يدفع ثمناً اقتصادياً ومجتمعياً باهظاً؟ أم أن تكلفة إعادة التسلح ستسرّع، من حيث لا يريد، انتقال مركز الثقل العالمي نحو نظام دولي أكثر تعددية وأقل خضوعاً للهيمنة الغربية؟

 

إن تحول النظام العالمي أحادي القطبية إلى نظام متعدد الأقطاب يبدو مساراً حتمياً لا جدال فيه. ومع تراجع الهيمنة الاقتصادية الأمريكية واتساع آثارها على مختلف دول العالم، يتوقع أن تشهد العلاقات الدولية مرحلة جديدة تتبلور فيها تحالفات مختلفة، وتبرز خلالها قوى صاعدة أكثر استقلالاً في قراراتها.

 

وفي هذا السياق، تتعاظم فرصة البلاد الإسلامية إلى استعادة دورها الحضاري وبناء مشروعها النهضوي على أسسٍ من الهوية الإسلامية، بما يحقق تطلعاتها إلى وحدة سياسية وفكرية أوسع، واستئناف الحياة الإسلامية وفق رؤية تستند إلى مبادئ الشريعة. وقد جهز هذا المشروع ولم يبق سوى تطبيقه على أرض الواقع، ويقوم هذا المشروع على جهود رجال ونساء يحملون عقلية إسلامية واعية، يعملون على ترسيخ مبادئ الإسلام في الواقع، وتعزيز وعي المسلمين بقضاياهم الأساسية، بما ينسجم مع مسؤوليتهم الدينية والأخلاقية. وهذا واجب على كل مسلم ومسلمة، حتى ننال رضوان الله ونلقاه وهو راض عنا.

 

قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ * جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾.

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نبيل عبد الكريم

 

 

وسائط

Template Design © Joomla Templates | GavickPro. All rights reserved.