الأربعاء، 02 شعبان 1447هـ| 2026/01/21م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

Al Raya sahafa

 

2026-01-21

 

جريدة الراية:

مأساة قطاع غزة
الصراع على وعي الجيل الجديد والميدان الإعلامي

 

 


في القرن الحادي والعشرين، لم يعد الانتصار يُقاس بالتفوق العسكري كالدبابات والطائرات أو الأنظمة الصاروخية فحسب؛ بل أضحى الميدان الإخباري، وتشكيل الوعي العام، والتأثير على فكر الأجيال الجديدة، عوامل حاسمة في حسم الصراعات. إن كيفية تفسير الأحداث، وصناعة الصور الذهنية، واختيار المصطلحات الموجهة للجمهور، باتت جزءاً لا يتجزأ من الواقع السياسي المعاصر.


من هذا المنطلق، يبرز حدث لافت يتمثل في توقيع كيان يهود اتفاقية مالية ضخمة مع شركة إعلامية خاصة لإنتاج محتوى إخباري موجه للجيل الجديد من الشباب، والرأي العام العالمي قاطبة.


إن الجانب الأهم في الحرب الإعلامية ليس الحدث بذاته، بل السياق الذي يُقدم فيه هذا الحدث. فإذا تم تكرار وصف حدث ما بأنه "دفاع عن النفس" وآخر بأنه "تهديد"، فإن هذه التفسيرات تتحول مع مرور الوقت في الرأي الجماعي إلى حقائق مُسلّم بها.


ثمة حقيقة ثابتة في نواميس الطبيعة، وهي أن المظهر لا يعكس الجوهر دائماً. وكما يكشف ورق دوار الشمس عن حمضية الماء القاتلة رغم صفائه الظاهري، فإن أحداثاً معينة تعمل كـ"دوار شمس سياسي"، فتفتت في لحظات تصوراتٍ بُنيت على مدى عقود.


ومن أبرز هذه الأحداث، الإبادة الجماعية التي يقترفها يهود في قطاع غزة. فلقد كشفت الوجه الحقيقي للنظام السياسي الغربي الذي قدّم نفسه طويلاً باعتباره حامياً لحقوق الإنسان والطفل والمرأة، كما كشفت حقيقة كيان يهود الذي سُوّق له كـ"دولة لا تُقهر، في حالة دفاع". إلا أن هذا الانكشاف لم يقتصر على الميدان العسكري، بل ارتبط ارتباطاً وثيقاً بصراع شامل على المنصات الرقمية وعقول الجيل الجديد.


وتشير المعلومات المستقاة من مصادر مفتوحة إلى أن كيان يهود وقع عقداً بقيمة ستة ملايين دولار تقريباً مع شركة Clock Tower X LLC للتأثير على وعي الجيل الجديد. هذا الاتفاق ليس مجرد حملة إعلانية عادية، بل هو جزء من استراتيجية إخبارية طويلة الأمد.

 

ومن المقرر أن يُوجه 80% من المحتوى المنتج خصيصاً لــ"جيل زد" الذي يتشكل وعيه في البيئة الرقمية. وهذا الاختيار ليس عفوياً، فهذا الجيل هو الذي سيشكل القوة الضاغطة في القرارات السياسية مستقبلاً.


تعتمد الخطة على المحتوى القصير والمؤثر عبر منصات تيك توك، وإنستغرام، ويوتيوب، وبودكاست. في هذه المنصات، لا يتم قبول المعلومات والأخبار عبر التحليل العميق، بل عبر التأثير العاطفي.


من خلال مقاطع الفيديو القصيرة والصور والرسائل المبسطة، تُعرض الحقائق السياسية المعقدة في سياق أحادي الجانب ومُحدد مسبقاً. يُضعف هذا التفكير النقدي ويؤدي إلى قبول استنتاجات جاهزة.


كما تُفسَّر حقيقة غزة بشكل مختلف باستخدام هذه الأساليب نفسها. فمن جهة، تُسلَّط الأضواء على مجازر الأطفال والنساء والوحشية غير المسبوقة، بينما تُبذل محاولات لتبرير هذه الأوضاع من خلال حملات إعلامية معينة.


1. المواقع الإخبارية الجديدة وسياق المعلومات:


تتضمن الاتفاقية إطلاق مواقع إخبارية ونشر مواد تحليلية ومقالات قد تبدو في ظاهرها كمصادر مستقلة، لكنها في الأصل تخدم خطة سياسية موحدة.


2. التأثير غير المباشر على أنظمة الذكاء الاصطناعي:


من القضايا المعاصرة والحساسة هي احتمالية التأثير على إجابات أنظمة الذكاء الاصطناعي من خلال إغراق المحتوى الرقمي بوجهة نظر معينة. فأنظمة مثل (ChatGPT) و(Gemini) تعتمد في تحليلها على غزارة المحتوى المتاح، ما قد يجعل الرواية المزيفة مصدراً ذا أولوية لدى الخوارزميات.


إن هذا يطرح تساؤلاً جوهرياً مفاده أنه إذا ضُوعفت مصادر المعلومات اصطناعياً، فأين تختفي الحدود بين الحقيقة والتضليل؟ ومن يحدد معايير الحقيقة؟


لقد روج الفكر السياسي الغربي لنفسه لعقود كمنظومة قائمة على الحرية وقيمة الإنسان، لكن مآسي غزة أبطلت القيمة العملية لهذه الادعاءات. إن القصف العشوائي للمناطق السكنية، وقتل النساء والأطفال، وتدمير المؤسسات الطبية والتعليمية، كشف زيف شعارات حقوق الإنسان. والمشكلة لا تكمن في العمل العسكري وحده، بل في الصمت الدولي والازدواجية في المعايير، ما أثبت أن ما يحدث في غزة هو سياسة ممنهجة وليس حدثاً عارضاً.


لقد برزت عملية طوفان الأقصى كرمز للرفض القاطع للظلم والازدواجية والأزمة الفكرية التي تراكمت في وعي البشرية. هذه الصرخة لم تكن محصورة في دين أو عرق، بل استندت إلى القيم الإنسانية الفطرية، ما جعل المظاهرات في واشنطن ولندن وباريس وبرلين تمثل اختباراً غير مسبوق للأنظمة السياسية.


ورغم كل المحاولات لتزييف الواقع عبر المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي، إلا أن الحقيقة لا يمكن محوها بالكامل. ومع ذلك، يجب على أبناء الأمة الإسلامية أن يكونوا على يقظة تامة، وأن يحللوا كل خبر ومصدر بدقة قبل قبوله.
إن البشرية تقف اليوم عند منعطف تاريخي وهو إما أن تقبل بنظام قائم على التضليل الإعلامي، أو تشكل معايير سياسية وفكرية جديدة قائمة على القيم الإنسانية الحقيقية والعدل والوعي النقي. ومأساة غزة تضعنا أمام هذا الخيار بكل ثقله ووضوحه.


يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾. وقال النبي ﷺ: «كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِباً أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ».

 

 

بقلم: الأستاذ حياة الله الأوزبيكي

 

المصدر: جريدة الراية

 

 

 

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع