- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
2026-06-17
جريدة الراية:
خسائر أمريكا
بتوقيعها مذكرة تفاهم
مع إيران
قال الرئيس الأمريكي ترامب يوم 2026/6/11 "أنهينا الحرب مع إيران اليوم. وافقوا على عدم امتلاك سلاح نووي.. هذا هو الهدف الأساسي، ويمثل 95% من القضية". وجاءت أقواله بعد ساعات من إعلانه التوصل إلى "تسوية رائعة للحرب مع إيران، وأن مضيق هرمز سيفتح رسميا فور توقيعنا على الاتفاق، وقد يحدث قريبا جدا، ربما خلال مطلع الأسبوع في أوروبا، وقد يمثل أمريكا في مراسم التوقيع نائبه".
بينما أعلن المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن بلاده "لم تتخذ بعد قرارا نهائيا بشأن توقيع اتفاق مع أمريكا، وأن جزءا كبيرا من النص التفاوضي تم إنجازه".
وعلقت وكالة تسنيم المقربة من الحرس الثوري الإيراني قائلة: "ترامب أعلن قرب التوصل إلى اتفاق مع إيران 38 مرة خلال الشهرين الماضيين. يجب التعامل مع تصريحاته بحذر إلى حين صدور موقف رسمي من طهران".
جاءت هذه التصريحات بعد تهديدات ترامب بتوجيه ضربة قوية، حيث إنه مشهور بتقلباته، ولم يحصل أن رئيساً يفقد هيبته والثقة به وبموقف بلاده مثله، ويربك فريق إدارته حيث لا يستطيعون التصريح بموقف ثابت تبعا له. فرئيس الدولة، أي دولة، لا يصرح يوميا أو كل ساعة عن مجريات الأمور والمفاوضات والأعمال العسكرية والسياسية حتى يستقر الأمر على الوجه الذي سيكون عليه.
نقل موقع أكسيوس الأمريكي يوم 2026/6/12 عن مسؤول أمريكي أن نقاط الاتفاق تتضمن "تمديد وقف إطلاق النار 60 يوما بما يشمل لبنان، واستئناف المفاوضات النووية خلال هذه الفترة، وإعادة فتح مضيق هرمز فورا من دون رسوم، وعودة حركة الشحن إلى مستويات ما قبل الحرب خلال 30 يوما، ورفع الحصار الأمريكي عن إيران، وضمان التزام إيران بعدم امتلاك سلاح نووي، وخفض نسبة تخصيب اليورانيوم داخل إيران تحت إشراف مفتشي الأمم المتحدة، ومنح إيران إعفاءات مؤقتة من العقوبات تسمح لها بتصدير النفط لمدة 60 يوما، وتخفيف العقوبات تدريجيا إذا أظهرت طهران حسن نية. وأن واشنطن تصر على الإفراج عن أموال إيران على دفعات لشراء سلع إنسانية".
وبهذه النقاط لا تُعتبر أمريكا أنها حققت هدفها، وما سيوقع عليه ليس اتفاقا نهائيا وإنما مذكرة تفاهم. وما يتفاخر به ترامب من منع إيران من امتلاك السلاح النووي، ليس إنجازا له؛ لأن إيران ما زالت تتبنى فتوى مؤسسها الخميني الذي يقول بحرمة امتلاك السلاح النووي. ومضيق هرمز كان مفتوحا، وبسبب عدوانه بدأت إيران تتحكم فيه. فهو يريد أن يظهر أنه حقق نصرا حيث لم يحققه، صارفا النظر عن هدفه الأساس من الحرب، وهو جعل إيران دولة تابعة، فحصلت قطيعة بينهما.
وترامب يحرص على توقيع اتفاق أكثر من العودة للحرب، وإن كان دائما يهدد بها وبتوجيه الضربات القاسية، وهي وسيلة للضغط حتى تقبل إيران بتوقيع اتفاق، فتنازل وقبل بتوقيع مذكرة تفاهم، وهذا دليل فشل أمريكا. ومن ثم ستبدأ المفاوضات ليتم الاتفاق النهائي خلال شهرين، وربما تطول ولا يتحقق في هذه الفترة أو تحدث تغييرات وتعديلات، لأنه سيكون فيها أخذ ورد وحلول وسط.
ولكن ترامب يريد أن يخرج من الحالة التي تورط فيها، ولم يحقق هدفه الأساس، وألا يبقى مركزا على إيران، لأنه أشغل أمريكا بها، ولم يعد يستطيع التركيز على قضايا أخرى مهمة مثل الصين، حيث قام بزيارتها وهو منشغل بإيران وركز على موضوع إيران معها حتى تضغط عليها فخيبت الصين فأله. ولم يستطع أن يركز على مواضيع أخرى عالقة مع الصين وأهمها الحد من تطوير الأسلحة وخاصة الصواريخ ذات الرؤوس النووية العابرة للقارات والتي تهدد أمريكا، وكذلك مواضيع الاقتصاد وخاصة الميزان التجاري الذي يميل لصالح الصين. وكذلك قضية روسيا وحربها في أوكرانيا وعقد اتفاقيات تشملها وتشمل علاقتها مع الصين. وكذلك قضية أوروبا ومحاولته الاستيلاء على جزيرة غرينلاند، بجانب محاولته الاستيلاء على كندا.
وكأنه أراد أن يحقق نصرا حاسما على إيران ويحقق أهدافه فيها كما حققها في بنما وفنزويلا ليعزز موقفه تجاه تلك القضايا حتى يسهل عليه تحقيق ما يريد. ولم يكن في حسبانه أن تصمد إيران ولا تستسلم لتصبح دولة تابعة كما استسلمت فنزويلا وبنما، وتضرب نشاطات روسيا والصين في هذين البلدين. وغرّه تمكنه من عقد اتفاق وقف الحرب على غزة، واعتبر أنه الوحيد في العالم القادر على التأثير على كيان يهود، وتشكيله مجلس سلام يتعلق بغزة من أنذال الحكام في مصر وتركيا وباكستان وإندونيسيا والسعودية وقطر والإمارات والبحرين وغيرها. واعتبر كل ذلك نجاحا كبيرا له، فانتفخ كالطاووس يهاجم إيران يوم 2026/2/28 يريد أن يحقق هدفه خلال بضعة أيام، فاصطدم بصخرتها، فأصبحت لديه عقدة إيران يريد حلها بأسرع وقت حتى يواصل سيره نحو القضايا الأخرى، وحتى لا تكون هذه العقدة هي سر ضعفه وضعف بلاده، وسقوط حزبه في الانتخابات النصفية للكونغرس في تشرين الثاني القادم وبالتالي سقوط المرشح الجمهوري في الانتخابات الرئاسية التي ستجري بعد سنتين. ولديه عقدة تحقيق اتفاق أفضل من اتفاق أوباما، ويظهر أن اتفاقه دون اتفاق أوباما.
وجاءت صفعة أخرى لترامب وهي رفض إيران إرسال وفد للتوقيع المباشر، وسيتم التوقيع إلكترونيا، بسبب أنها لا تريد أن يظهر وفدها وهو يصافح وفد أمريكا عقب التوقيع، بسبب اعتبارها الأمريكان أعداء شنوا عدوانا عليها وقتلوا مرشدها وشخصيات كبيرة أخرى. فلا تريد أن تظهر أنها صالحتهم وخنعت ذليلة لهم.
ويحرص ترامب على توقيع الاتفاق يوم 2026/6/14 لأنه يصادف ذكرى ميلاده الثمانين. وإيران تدرك حرصه على ذلك، ولهذا لم تؤكد أن التوقيع سيتم في هذا اليوم كما ورد على لسان المتحدث باسم خارجيتها، فلا تريد أن تفرحه حتى تنتقم منه أو تحصل على تنازلات منه.
وأكد خادمه رئيس وزراء باكستان شهباز شريف أن "التوقيع سيتم خلال 24 ساعة.. وواشنطن وطهران وافقتا.. وباكستان تستعد لمراسيم توقيعه إلكترونيا..".
ومن هنا تظهر أمريكا على حقيقتها، فمن يثبت في وجهها مهما استعملت من أسلحة وأحدثت من أضرار، فإنه يمكنه هزيمتها. وهذا يجب أن يشجع الناس على التحرك والمطالبة بإغلاق قواعدها في المنطقة ليتم إنهاء وجودها العسكري وليمهد لتصفية نفوذها السياسي بإسقاط خدمها الأنذال، وليمهد لإقامة الخلافة الراشدة التي ستكسر أنف رئيسها وعجبه بنفسه وبرأيه على شاكلة أسلافه أباطرة الروم الذين كسرت دولةُ الخلافة أنوفَهم بالأمس.
بقلم: الأستاذ أسعد منصور
المصدر: جريدة الراية



