- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
2026-06-24
جريدة الراية: وجوب اجتثاث العلمانية
من البلاد الإسلامية
مع استمرار الحرب في السودان ومشاكله السياسية، والاقتصادية، والأمنية المتفاقمة تطرح القوى والأحزاب السياسية في السودان العلمانية كمخرج لإيقاف الحرب، وتوافُق أهل السودان على رؤية سياسية لإدارة حكم البلاد، وقد انضم لهذه الدعوة عدد من الصحفيين والصحفيات، وكتبوا مقالات تتفق مع رؤية هذه الأحزاب والقوى السياسية في العلمانية كحل؛ فمن جانب هذه القوى كان مؤتمر نيروبي الذي عقدته قوى إعلان المبادئ في 2026/5/24 حيث أقرت وثيقة سياسية تنص على علمانية الدولة، جاء فيها: (بناء دولة وطنية تؤسس لدولة سودانية موحدة وديمقراطية تعتمد النظام الفيدرالي اللامركزي القائم على الفصل بين الدين والدولة).
وحتى حكومة قوات الدعم السريع الموازية لحكومة البرهان في بورتسودان، يصرح رئيس وزرائها للجزيرة مباشر في 2025/10/31 ويقول: (هدفنا نظام علماني ديمقراطي). والجدير بالذكر أن حمدوك رئيس وزراء السودان السابق الذي أطاح به البرهان، والذي يتحرك هذه الأيام على الساحة الدولية، قد وقع كذلك على العلمانية مع الفصيلين المسلحين المتمردين؛ جناح عبد الواحد محمد نور قائد حركة تحرير السودان، والحلو رئيس الحركة الشعبية، وقعوا في مؤتمر عقد في جوبا عاصمة جنوب السودان في 2024/5/18 اتفاقاً ينص على مبدأ يقوم على فصل الدين عن الدولة ويقف على مسافة واحدة من الأديان والهويات. حتى البرهان الذي يحكم السودان بالعلمانية يتخلى عن الإسلام باعتباره دين الدولة فوقع اتفاقا مع الحلو في جوبا في 2021/07/04 جاء فيه: (لا تفرض الدولة دينا على أي شخص ولا تتبنى دينا رسميا).
فجميع القوى السياسية والجماعات والحكومات تتبنى العلمانية وتدعو لها. فما هي هذه العلمانية؟ ولماذا ترى هذه القوى أنها الصالحة للحكم والسياسة؟ وما هي نظرة الإسلام لها؟ وكيف نجتثها من جذورها ونلقي بها في سلة المهملات أو تشييعها بواسطة أهلها غير نادمين عليها؟
من المعلوم بداهة أن العلمانية منشؤها أوروبا؛ فقد وجدت نتيجة للصراع الدائر بين الكنيسة والمفكرين والفلاسفة وثارت الشعوب الأوروبية ضد الملوك وسلطة الكنيسة، التي تزعم بأنها ظل الله في الأرض، فرفع الشعب الفرنسي في ثورتهم، قائلين اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قس، وتم التوصل لحل وسط فصلت فيه السلطة الزمنية عن السلطة الروحية وألغيت سلطة الكنيسة فكان فصل للدين عن الحياة وبالتالي فصل الدين عن الدولة وعن السياسة، وحصر الدين في علاقة الإنسان بخالقه فلا دخل للخالق في تدبير شؤون الحياة والدولة والمجتمع، فاعتنقت الدول الأوروبية فصل الدين عن الحياة عقيدة لها وهي عقيدة المبدأ الرأسمالي وحملت هذه الفكرة للبلاد الإسلامية وأدخلتها عندما غزت هذه الدول الأوروبية بلاد المسلمين واحتل الإنجليز مصر وقضوا على بقايا الحكم الإسلامي فيها، ودخلوا إلى تركيا وحولوها للعلمانية بعد أن طردوا الخليفة، وجاءوا للسودان، ففرضوا قوانينهم وأنظمتهم، وأقاموا أنظمة تحكم بهذه العلمانية، وأوجدوا هذه الجماعات التي لا ترى غير العلمانية حلا للمشاكل السياسية والاقتصادية بسبب عمالتها ولا تستطيع الخروج عن الخط المرسوم لها، فكان من جراء ذلك هذه الدعوات المكثفة هذه الأيام والمؤتمرات الإقليمية والدولية وتسويق فكرة العلمانية لقطع الطريق على الوعي المتنامي في الأمة الإسلامية لتقبل بها وتظن أن إيقاف الحروب وتنعمها بالأمن والاستقرار يكون بالتوافق عليها!
أما نظرة الإسلام للعلمانية فهي أنها عقيدة كفر فالدين لا يفصل عن الحياة وإنما يمزج بها، ولا تنفصل الدولة عن الدين. فالإسلام دين ومنه الدولة ولا تنفصل السياسة عنه، فالجماعات في الإسلام تكون السياسة عملها والإسلام مبدؤها وللمسلمين الحق في إقامة جماعات بشرط أن يكون أساسها الإسلام. فالعقيدة الإسلامية أساس الدولة ولا يجوز أن يتأتى وجود شيء في جهازها أو محاسبتها إلا بجعل الإسلام أساساً لها، وحصر علاقة الجماعات داخليا، وتمنع الدولة أي علاقة لجماعة مع أي جهة خارجية فلا مؤتمرات خارجية ولا لقاءات سياسية أو توقيع وثيقة سياسية فيما بينها تمس كيان الدولة، أو الدعوة لأي فكرة غير شرعية، فجميع الأفكار العلمانية تُمنع مثل الديمقراطية والحرية، والسيادة للشعب، وحكم الشعب، والشعب مصدر السلطات، والفيدرالية... وغيرها. فالأفكار الإسلامية هي التي تحمل ما دامت تستند إلى الأدلة الشرعية فتحمل صافية نقية غير متأثرة بأي شيء غير إسلامي، فالإسلام يحمل والكفر يترك.
أما لماذا هذه الدعوة للعلمانية بهذا الشكل الكثيف هذه الأيام وتأجير الأقلام، وحشد الأحزاب، فذلك لأن الكافر لديه غرض سياسي فهو يعمل لإزالة ما هو موجود في دساتير بعض البلاد الإسلامية تشير إلى أن الإسلام هو الدين الرسمي للدولة، أو أن الشريعة مصدر من مصادر التشريع، فيريد الكافر دستورا وقوانين علمانية خالصة من دون الإشارة لأي دين، وكذلك يريد أن يزيل ما تبقى من أحكام شرعية تتعلق بعلاقة الرجل بالمرأة، في أمور الزواج والطلاق والخلع والحضانة، تكون وفق اتفاقية سيداو؛ فالرجل يتزوج الرجل، والمرأة تتزوج من امرأة، والزواج يكون مدنياً وليس شرعيا... وهكذا، بل حتى المشاعر التعبدية الجماعية في الأعياد والمناسبات يسعى الكافر لإلغائها.
إن هذه الدعوة للعلمانية يجب التصدي لها بأسلوب الصراع الفكري والكشف السياسي.
أما الصراع الفكري فنبين ما في هذه الأفكار العلمانية من زيف وإن بدت للوهلة الأولى بأنها أفكار براقة وتدعو للعدالة والمساواة التي تفتقدها أمتنا جراء حكمها بقوة الحديد والنار فلا حرية ولا ديمقراطية، فقوة الفكرة الإسلامية مقرونة بطريقتها كافية لصرع جميع الأفكار الباطلة، وبيان ما فيها من زيف.
أما أسلوب الكشف السياسي فإن هذه الأحزاب والحركات والجماعات بارتمائها في حضن الكافر يجعلها غير مخلصة للأمة، فهي مفصولة شعوريا وفكريا عن الأمة ولا يهمها غير الوصول للسلطة وخدمة أسيادها.
أما نظام الإسلام، فإنه الحل الوحيد الصحيح الذي يجب أن تتبناه الجماعات وتعمل لإيصاله لسدة الحكم بالصراع الفكري، والكفاح السياسي بكشف الخطط وتبني مصالح الأمة، وأن الكافر هو السبب فيما تعانيه الأمة من ويلات وحروب وفقر وأمراض وانعدام الأمن والغذاء والدواء، فلا مخرج إلا باستئناف الحياة الإسلامية، وقد وجد لها رأي عام ووعي منقطع النظير وسط الأمة. وهنا يأتي دور الجيوش في بلاد المسلمين فيطلب منها صراحة تأييد الفكرة وإيصالها للحكم، فلا فكرة من غير قوة تستند إليها، فالأحزاب العلمانية هذه تعتمد في إيصالها للحكم على الكافر وليس على الأمة.
أما الحزب المخلص فيعتمد بعد الله تعالى على هذه القوة المسلحة من أبناء الأمة كما فعل النبي ﷺ مع الأنصار، فأقام الدولة ونشر العدل وأزال الظلم وأعز الأمة.
فيا أيتها الأحزاب: انفضي أيديك من الكافر وتبني الإسلام بدل الطعن فيه وإثارة شبهات حوله، فإن الحق يعلو ولا يعلى عليه، ولمثل هذا فليعمل العاملون؛ لخلافة راشدة على منهاج النبوة.
بقلم: الدكتور أحمد عبد الفضيل – ولاية السودان
المصدر: جريدة الراية



