- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
2026-06-24
جريدة الراية:
ما يعترضنا من أزمات
أعراضٌ لمرض علاجه معروف
عادت مؤخراً، وبقوة، مسألة محاسبة الشبيحة وكبار المجرمين ورموز النظام البائد، فخرجت مظاهرات غاضبة كثيرة في مدن وبلدات سورية عدة تطالب بالقصاص العادل ممن ولغ في دماء المسلمين وكان عوناً لنظام الطاغية الهارب في جرائمه على مدار 14 عاماً. فيما أصدرت وزارة الداخلية تصريحاً حول الأحداث الأخيرة شددت فيه على أن "تحقيق العدالة ومحاسبة مرتكبي الجرائم والانتهاكات مسؤولية تتولاها الدولة عبر مؤسساتها المختصة"، ودعت إلى "التحلي بضبط النفس وعدم الانجرار إلى أي أعمال انتقامية أو اعتداءات خارج إطار القانون لما في ذلك من تهديد للأمن والاستقرار وإعاقة لمسار العدالة"، و"التكاتف للحفاظ على الأمن والاستقرار ومنع أي محاولات لجرّ البلاد إلى فوضى لا تحمد عقباها". فيما تحدثت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية عن "بناء السلام انطلاقاً من الالتزام ببناء دولة تقوم على المواطنة المتساوية وسيادة القانون".
وإزاء ذلك لا بد لنا من وقفات مبدئية لوضع النقاط على الحروف:
أولاً: بغض النظر عن بعض تفاصيل المشهد، إلا أن تحركات الناس تثبت أن الحاضنة الشعبية هي صاحبة السلطان، وأن جذوة الثورة لا تزال متأصلة ومتجذرة فيها، وأن نبضها وتوجهها وجهودها يجب أن تكون لتحقيق مشروع حقيقي متكامل يحل كل المشاكل الجزئية بما يمتلكه من حلول تفصيلية.
ثانياً: لقد ثار الناس على نظام الظلم والطغيان وحددوا لثورتهم ثوابت واضحة، من ضمنها إسقاط النظام بكل أركانه ورموزه وأكابر مجرميه، وقطع العلاقة مع الدول المتآمرة، وتحكيم الإسلام في ظل دولة. إلا أن الأحداث الأخيرة تؤكد حجم الفجوة الكبيرة بين طموح الناس وما ثاروا لأجله وقدموا عظيم التضحيات وبين توجّه الإدارة السورية للمرحلة الانتقالية في الالتزام بالمواثيق الدولية لتقزيم طموحات أهل الثورة وشعاراتهم وأهدافهم. فغضب الناسِ ناتج عن رؤيتهم أن أهدافهم لم تتحقق، وأن أكابر المجرمين، ممن سفكوا الدماء وسلبوا الأموال وهتكوا الأعراض وقاموا بتشريد الناس، لم يحاسبوا، يصول بعضهم ويجول دون حسيب أو رقيب، بل أصبح بعضهم للأسف في مركز القرار. ومع تزايد إحساس الناس بفقدان الأمل بأن الدولة ستحقق العدالة المطلوبة يزداد توجههم للتحرك من تلقاء أنفسهم.
ثالثاً: إن اتهام بعض الإعلاميين وغيرهم للناس المطالبين بحقوقهم، وربطهم بـخطط خارجية، غير جائز إطلاقاً، وفيه جور وظلم عظيم، فلولاهم، بعد فضل الله، ما كان إسقاط للنظام ولا انتصار للثورة. فهذه التحركات هي نوع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا ما كانت قائمة على ما يرضي الله عز وجل.
رابعاً: يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، منهج رباني واضح، يحمل العدل والإنصاف والاستقرار، وفي الإعراض عنه الظلم والشقاق والاضطراب وتفرق الصفوف، مهما كانت الذرائع من "سلم أهلي" و"أمن مجتمعي".
خامساً: يقول تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾، وعليه، فإن من أوجب الواجبات أن يكون ارتفاع الأصوات للمطالبة بحل جذري بوصلته الواضحة تطبيق شرع الله الذي يحوي وحده كل الحلول الجذرية لما يعترضنا من أزمات، فأزمتنا هي أزمة حكم وسلطان وغياب لتطبيق أحكام الإسلام ومعالجاته. والأصل فينا أن نسعى لتحقيق المشروع الذي من شأنه أن يحلّ لنا كل هذه المشاكل بشكل جذري، مشروع يحمله رجال سياسة صادقون، واعون ومبدئيون، يملكون رؤية واضحة ومشروعاً مفصلاً لتطبيق شرع الله وحل المشاكل ومواجهة التحديات بوعي وجرأة ومبدئية تمليها علينا عقيدة ديننا وشريعة ربنا، بعيداً عن معالجات أمريكا والغرب وإملاءاتهم، فكل ما يعترضنا من أزمات هي في أصلها أعراض لمرض رئيسي مزمن، علاجه مجرَّب معروف.
وإن الإعراض عن التسليم لأمر الله وحكمه، وتأخر الناس عن الالتفاف حول مشروع الإسلام العظيم الذي يسعى لإقامة دولة تطبقه، كل ذلك سيعزز إمكانية تسويف الحل عند الإدارة الانتقالية الحالية في دمشق، وتمييع ملف المحاسبة والمساءلة، ويجعل قابل الأيام حافلاً بالاضطرابات والأزمات والمشاكل بدل وأدها وفرض الاستقرار وتحقيق العدالة ورعاية شؤون الناس.
سادساً: الحاضنة الشعبية هي السند الطبيعي بعد تطبيق الإسلام، يرتجى منها كل خير، والواجب تقديرها ودعمها، لا تهميشها والتنكر لتضحياتها! بينما الاعتماد على الدول الكبرى فخ خطير وشر مستطير، عواقبه وخيمة، علاوة على أنه لن يحقق لنا أمناً ولن يجلب لنا استقراراً أو منفعةً ترجى، لن ينقذنا ولن يحل لنا مشكلة واحدة، بل هو كسراب يحسبه الظمآن ماء، بل هو أصل الداء وأس البلاء، فهذه الدول هي من كانت تدعم النظام البائد لوأد ثورتنا. فما ينقذنا ويحقق لنا الطمأنينة والعدل والأمن وهناءة العيش وحسن الرعاية هو اعتمادنا على الله وحده وتوكلنا عليه وتطبيق شرعه وتقديس أحكامه.
طريق العزة والنصر والتمكين معروف، بوصلته دولة تطبق فينا كتاب الله سبحانه وسنة رسوله ﷺ، يرضى عنها ساكن السماء وساكن الأرض، يعم خيرها بلاد الإسلام بل كل بقاع الأرض، ولمثل هذا الخير العظيم فليعمل العاملون.
بقلم: الأستاذ ناصر شيخ عبد الحي
عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية سوريا
المصدر: جريدة الراية



