الأربعاء، 16 محرّم 1448هـ| 2026/07/01م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

Al Raya sahafa

 

2026-07-01

 

جريدة الراية: التنسيق الثلاثي المغاربي

هل يصمد أمام المداخل الأمنية الاستعمارية؟

 

 

في مشهد إقليمي تتقاطع فيه تهديدات الساحل المتصاعدة مع تصدع الحلف الأطلسي وتبدل الأولويات الأمريكية، يبرز التنسيق الأمني الثلاثي بين تونس وليبيا والجزائر كمحاولة لملء فراغ استراتيجي بدأت ملامحه تتكشف مع تراجع الاعتماد على الأطر الأمنية التقليدية.

 

التنسيق الثلاثي.. خطوة مغاربية نحو أمن مشترك

 

في 16 حزيران/يونيو 2026، احتضنت العاصمة الليبية طرابلس الاجتماع الثاني لفريق العمل الليبي الجزائري التونسي المكلف بتأمين الحدود المشتركة، وهو فريق تأسس في كانون الثاني/يناير 2025 بموجب اتفاق بين وزراء داخلية الدول الثلاث. لم يكن هذا اللقاء مجرد اجتماع تقني عابر، بل كان تجسيداً لإرادة سياسية ثلاثية تدرك أن التهديدات العابرة للحدود - من تهريب السلع والبشر، إلى تنامي شبكات الجريمة المنظمة والإرهاب، إلى استراتيجية أوروبا نحو تدوير حدودها في الضفة الجنوبية للمتوسط - كل هذه التحديات، لا يمكن مواجهتها بمعزل عن التنسيق الميداني المشترك.

 

والأهم من ذلك، أن اختيار طرابلس لعقد الاجتماع الثاني يحمل رسالة سياسية واضحة: أن العاصمة الليبية ما تزال قادرة على أن تكون منصة للتنسيق الإقليمي رغم هشاشة المشهد الداخلي، وأن ملف الأمن يمكن أن يدار عبر مؤسسات الدولة المعترف بها.

 

في ظل تصدع الناتو.. فراغ استراتيجي يبحث عن بدائل

 

ما يمنح هذا التنسيق الثلاثي بعداً جيوسياسياً أعمق هو السياق الدولي المضطرب الذي ولد فيه. فالعلاقات بين أمريكا وحلفائها الأوروبيين في الناتو تشهد توترات غير مسبوقة، مع تهديدات متكررة بخفض الالتزام العسكري الأمريكي في أوروبا، واتهامات أمريكية للحلفاء الأوروبيين بعدم تحمل أعبائهم الدفاعية. وقد عبر وزير خارجية أمريكا ماركو روبيو عن ذلك بوضوح، منتقداً حلفاء الناتو لترددهم في تبني موقف موحّد تجاه إيران، في مؤشر على شرخ متنام داخل التحالف الغربي.

 

هذا التصدع لم يمر دون تداعيات على أفريقيا. فمع تراجع الاعتماد على الناتو كإطار أمني جامع، بدأت واشنطن تبحث عن شراكات إقليمية بديلة، وهو ما يفسر جزئياً اهتمام أمريكا المتزايد بشمال أفريقيا. وكما تشير التحليلات، فإن التوتر الحالي بين أمريكا وحلفائها في الناتو يذكر بأن الأمن الأفريقي لا يمكن أن يستأجر بالكامل من قوى بعيدة، بل لا بد من تعزيز المؤسسات القارية لتوفير إطار أكثر صلابة لحل النزاعات والتعاون الاقتصادي.

 

مصالح أمريكا بين الحسابات والتناقضات

 

اهتمام أمريكا بالمنطقة ليس وليد اللحظة، لكنه اكتسب زخماً جديداً مع تصاعد التنافس الدولي على النفوذ في شمال أفريقيا، خصوصاً بينها وبين وأوروبا، علاوة على الدور المتنامي لروسيا والصين. وتتجلى هذه الديناميكية في الحراك الدبلوماسي الأمريكي المكثف تجاه تونس، التي باتت محل اهتمام واشنطن لأسباب متشابكة: أمنية، وسياسية، واستراتيجية.

 

تونس، التي تصنف كحليف رئيسي خارج الناتو منذ عام 2015، تسعى إلى لعب دور إقليمي متزايد، لا سيما في المجال البحري، وترغب في أن تكون منصة للتعاون العسكري الإقليمي. وقد تجسد ذلك في زيارة قائد القوات البحرية الأمريكية في أوروبا وأفريقيا إلى تونس في حزيران/يونيو 2026، حيث ركزت المحادثات على التعاون البحري في المتوسط.

 

لكن موقف أمريكا من الجزائر يظل الأكثر تعقيداً. فرغم الاعتراف بخبرة الجزائر في مكافحة الإرهاب، فإن واشنطن تتعامل معها باحتراز شديد، نظراً لعلاقات الجزائر الوثيقة مع روسيا والصين، وموقفها المتمايز من قضايا إقليمية حساسة. وتحاول واشنطن انتهاج استراتيجية مزدوجة: الاستفادة من الخبرة الأمنية الجزائرية، مع إبقائها في دائرة الحياد دون دفعها نحو تحالف كامل مع الغرب.

 

أما ليبيا، فتمثل بالنسبة لواشنطن مفتاح الأمن في شمال أفريقيا، حيث ينظر إلى استقرارها السياسي كشرط أساسي لأي أمن حدودي حقيقي. وقد أطلقت واشنطن مبادرات دبلوماسية لتقريب وجهات النظر بين الأطراف الليبية، في محاولة لتوحيد المؤسسات وتهيئة الأرضية لتنسيق أمني فعّال.

 

 نحو رؤية مغاربية مستقلة

 

في خضم هذه التحولات، يطرح السؤال نفسه: هل تكتفي البلاد المغاربية بدور متلقٍ للاستراتيجيات الخارجية، أم تسعى إلى بناء رؤية أمنية مستقلة؟ التنسيق الثلاثي بين تونس وليبيا والجزائر يشكل خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنه يظل ناقصاً إذا لم يستكمل برؤية أوسع تشمل باقي دول المنطقة.

 

إن التحديات التي تواجه شمال أفريقيا من الاضطرابات في الساحل إلى الهجرة غير الشرعية والجريمة المنظمة لا تعترف بالحدود المصطنعة التي خلفها الاستعمار، ولا تنتظر حلولاً من عواصم بعيدة. وما تمر به العلاقات عبر الأطلسي من تصدع يؤكد أن الاعتماد على الغير في تدبير الأمن الإقليمي، علاوة على إثمه الشرعي، لم يعد خياراً استراتيجياً بعيد المدى، بل أصبح رهاناً محفوفاً بالمخاطر.

 

لذلك، فإن الدعوة إلى رؤية مشتركة ومستقلة ليست مجرد شعار سياسي، بل واجب شرعي وضرورة أمنية واقتصادية وجودية. فالمغرب العربي، بموقعه الجغرافي المحوري وموارده البشرية والطبيعية، قادر على بناء منظومة أمنية إقليمية تحمي حدوده وتصون سيادته، بعيداً عن المخططات الاستعمارية التي ظلت لعقود تختزل المنطقة في وظيفة الحاجز الأمني أو ساحة للتنافس الدولي.

 

التحدي إذن ليس أمريكياً ولا أوروبياً؛ إنه مغاربي خالص، يبدأ بوعي الأمة وأهل القوة فيها بأهمية هذه اللحظة التاريخية، لطي صفحة استعمار الأمس وتشكيل وحدة الغد، لأن الأمن الحقيقي لا يبنى على الدوريات والكاميرات وحدها، بل على مشروع سياسي حضاري يعيد للأمة سلطانها ويرسخ الدولة القادرة على افتكاك زمام المبادرة وتحقيق السيادة الأمنية، بعيداً عن وصاية القوى الكبرى وتقلبات أجنداتها.

 

بقلم: الأستاذ ياسين بن يحيى

 

 

المصدر: جريدة الراية

 

 

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع