الأربعاء، 16 محرّم 1448هـ| 2026/07/01م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

Al Raya sahafa

 

 

2026-07-01

 

جريدة الراية: 

الصين.. الغائب الحاضر

في قمة مجموعة السبع في فرنسا

 

 

حين اجتمع قادة مجموعة السبع في فرنسا لثلاثة أيام بداية من يوم 2026/06/15، لم يكن المقعد الصيني موجوداً حول الطاولة، لكن الصين كانت حاضرة في كل زاوية من القاعة، وفي كل بند من بنود النقاش، وفي معظم الهواجس التي حملها قادة الغرب معهم إلى القمة.

 

لقد بدت الصورة هذه المرة مختلفة بصورة لافتة. فمجموعة السبع التي نشأت في سبعينات القرن الماضي وتأسست أصلاً لتكون نادي الاقتصادات الصناعية الكبرى وحارس النظام الرأسمالي الغربي، وجدت نفسها تناقش دولة ليست عضواً فيها، لكنها أصبحت أكبر من أن يتم تجاهلها، وأقوى من أن تُختزل في خانة المنافس التقليدي.

 

ولعل أكثر المشاهد دلالة على هذا التحول كان الاجتماع الافتراضي الذي دعا إليه رئيس فرنسا ماكرون بتاريخ 2026/06/11، أي قبل أيام من انعقاد القمة، وجمع أمريكا والصين وأوروبا ومؤسسات مالية دولية كان أبرزها صندوق النقد الدولي وعدداً من الدول المدعوة. لم يكن الأمر مجرد لقاء بروتوكولي، بل اعترافاً سياسياً واقتصادياً بأن النظام العالمي وصل إلى مرحلة لم يعد فيها ممكناً معالجة اختلالاته من دون الصين.

 

فماكرون لم يتحدث عن مشكلة صينية ينبغي احتواؤها، بل تحدث عن "اختلالات عالمية" تستوجب تنسيقاً عاجلاً بين أوروبا وأمريكا والصين. والأهم أنه حذر من أن غياب هذا التنسيق قد يقود إلى "تعديلات اقتصادية ومالية قاسية" تهدد الاستقرار العالمي. وفي جوهر هذا الخطاب يكمن اعتراف لا تخطئه العين وهو أن الغرب المتقهقر لم يعد قادراً على إدارة الاقتصاد العالمي منفرداً.

 

لقد اعتادت مجموعة السبع لعقود أن تضع قواعد اللعبة الاقتصادية ثم تطلب من الآخرين الالتزام بها. أما اليوم، فإن أحد أبرز قادتها يدعو الصين للمشاركة في إعادة صياغة التوازنات نفسها التي أنشأها الغرب يوماً. وبين الصورتين تختصر قصة التحول الكبير الذي يشهده النظام الرأسمالي العالمي.

 

الصين التي كانت قبل أربعة عقود مجرد اقتصاد نامٍ على هامش الاقتصاد العالمي أصبحت اليوم مصنع العالم ومركزاً رئيسياً لسلاسل الإمداد الدولية، وأكبر شريك تجاري لعشرات الدول، وقوة تكنولوجية تنافس الغرب في مجالات كانت حتى وقت قريب حكراً عليه. لهذا السبب لم تعد المشكلة بالنسبة للغرب في حجم الاقتصاد الصيني فقط، بل في سرعته واتجاهه.

 

فالأوروبيون الذين رحبوا لعقود بالصين باعتبارها سوقاً ضخمة ومصدراً للعمالة الرخيصة بدأوا يكتشفون أن العملاق الذي ساعدوا على دمجه في الاقتصاد الرأسمالي العالمي تحول إلى منافس استراتيجي يهدد تفوقهم الصناعي والتكنولوجي. ومن هنا يمكن فهم تصاعد الخطاب الأوروبي حول السيارات الكهربائية الصينية، والصناعات الخضراء، والرقائق الإلكترونية، والاعتماد المفرط على سلاسل التوريد القادمة من آسيا. لكن ما يقلق الغرب أكثر من الصادرات الصينية هو النفوذ الصيني.

 

فتقرير صادر عن معهد ميغس الكندي قبل أيام من التئام قادة مجموعة السبع في مدينة إيفيان الفرنسية، أشار إلى أن بكين تتبع استراتيجية بعيدة المدى لاختراق فضاء دول مجموعة السبع عبر أدوات اقتصادية وأكاديمية وتكنولوجية وثقافية متعددة. وهي استراتيجية يصفها التقرير بأنها "منهجية وقابلة للتكيف ومتجذرة". وهو ما حذرت منه فرنسا من خلال التناول الإعلامي لمضامين هذا التقرير عبر قناة فرانس 24. ووفق هذا التصور، لا تعتمد الصين على المواجهة المباشرة مع الغرب، بل على التغلغل التدريجي داخل بنيته الاقتصادية والعلمية والتجارية، بما يسمح لها ببناء نفوذ مستدام يصعب احتواؤه لاحقاً.

 

وتشمل هذه الاستراتيجية الاستثمار في البنية التحتية الحيوية، وتوسيع الحضور في الجامعات ومراكز البحث، وتعميق الروابط التجارية وسلاسل التوريد، إضافة إلى تعزيز الاعتماد المتبادل الذي يجعل من الصعب على الدول الغربية فصل اقتصاداتها عن الاقتصاد الصيني دون دفع أثمان باهظة.

 

بمعنى آخر، بينما كانت مجموعة السبع تنظر إلى الصين باعتبارها لاعباً خارجياً، كانت الصين تعمل بهدوء على ترسيخ حضورها داخل الفضاء الاقتصادي ذاته الذي تمثله المجموعة. ومن المفارقات أن تمدد الصين هذا يتزامن مع مرحلة تشهد تراجعاً نسبياً في القدرة الغربية على فرض إرادتها على النظام الدولي.

 

فالحرب في أوكرانيا استنزفت جزءاً مهماً من الطاقة السياسية والاقتصادية للغرب. والتوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط، والحرب المفتوحة مع إيران وأذرعها الإقليمية، كشفت حدود نفوذ أمريكا وقدرتها على إدارة أزمات متعددة ومتزامنة، حيث كانت منشغلة إلى وقت قريب بمسارات بارجاتها وطائراتها وسفنها الحربية. كما أن الانقسامات داخل المعسكر الغربي نفسه أصبحت أكثر وضوحاً من أي وقت مضى، خاصة بعد نشر ترامب لخريطة تُظهر كندا وغرينلاند كأجزاء من الولايات المتحدة، ثم بعد سحب الجنود الأمريكان من ألمانيا، ما زاد في تصدع العلاقة بين حلفاء الناتو.

 

في المقابل، تواصل الصين بناء نفوذها وفق إيقاع مختلف. فهي لا تخوض حروباً خارجية، ولا تنشر قواعد عسكرية بالمستوى الذي تقوم به أمريكا، بل تعتمد على الاقتصاد والتجارة والاستثمارات والدبلوماسية بوصفها أدوات رئيسية لتوسيع مجالها الحيوي. ولهذا تبدو اليوم في موقع يسمح لها بالتحول إلى لاعب أساسي في ملفات كانت حكراً على القوى الغربية. ويبرز ملف إيران مثالاً واضحاً على ذلك.

 

فالصين ليست فقط الشريك التجاري الأكبر لإيران، بل تحتفظ أيضاً بعلاقات قوية مع دول الخليج العربي، كما أنها تمتلك قنوات اتصال مفتوحة مع مختلف القوى الدولية. وهذا الموقع الفريد يمنحها قدرة متزايدة على لعب أدوار دبلوماسية قد تصبح أكثر أهمية كلما تعقدت أزمات المنطقة وتراجعت فعالية الأدوات الغربية التقليدية.

 

وقد لا يكون مستبعداً أن تجد القوى الكبرى نفسها في المستقبل بحاجة إلى الوساطة الصينية أو إلى مشاركتها في أي ترتيبات أمنية أو اقتصادية جديدة تخص إيران وخاصة تلك المتعلقة بالملف النووي.

 

ولعل المفارقة الأبرز أن ملف اختلالات التوازن الاقتصادي العالمي الذي تصر مجموعة السبع على وضعه في صدارة جدول أعمالها لن ينتهي بانتهاء قمة فرنسا، بل سيُرحَّل إلى قمة مجموعة العشرين المقررة نهاية العام في أمريكا، حيث ستكون الصين حاضرة هذه المرة على الطاولة لا خارجها. وهذه الحقيقة وحدها تكشف حجم التحول الذي يشهده النظام الدولي؛ فالقوى الغربية التي اعتادت لعقود إدارة الاقتصاد العالمي من داخل مؤسساتها وتحالفاتها الخاصة، تجد نفسها اليوم مضطرة إلى الاعتراف بأن أي محاولة لإعادة التوازن إلى الاقتصاد العالمي أو إصلاح اختلالاته الكبرى لا يمكن أن تنجح دون مشاركة الصين. وبين قمة السبع التي تناقش الصين في غيابها، وقمة العشرين التي ستناقش القضايا نفسها بحضورها، تتجلى صورة عالم يتغير بسرعة: عالم لم تعد فيه الصين مجرد قوة صاعدة تسعى إلى مكان تحت الشمس، بل قوة دولية باتت الشمس نفسها تدور حول جزء مهم من معادلاتها الاقتصادية والسياسية. ومن هنا، فإن الغائب الحقيقي في قمة السبع لم يكن الصين، بل ذلك الزمن الذي كان الغرب قادراً فيه على إدارة العالم بمفرده.

 

وبين انحسار عصر الهيمنة الغربية الأحادية وتبلور نظام دولي أكثر تعددية، تقف الأمة الإسلامية أمام منعطف تاريخي نادر. فليست القضية في صعود الصين أو تراجع الغرب بقدر ما تكمن فيما تتيحه هذه التحولات من فرصة للتحرر من إرث التبعية والهيمنة الاستعمارية، والانطلاق نحو بناء مشروع حضاري إسلامي مستقل، يفك ارتباطه بالغرب، ويستمد قوته من موارده البشرية والاقتصادية ومنظومته التشريعية ومفاهيمه العقدية وقيمه الحضارية. وإذا كانت الأمم العظيمة تُعرف بقدرتها على اغتنام لحظات التحول الكبرى، فإن اللحظة الراهنة قد تكون واحدة من تلك اللحظات التي لا تفتح أبواب التاريخ مرتين. ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾.

 

بقلم: المهندس وسام الأطرش

 

المصدر: جريدة الراية

 

 

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع