- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
2026-07-29
جريدة الراية:
كيف تتعامل الخلافة
مع التحديات التي تواجه المجتمع؟
إن واقع نظام الخلافة والأساس الذي يقوم عليه يوضح كيفية معالجتها لأبرز التحديات التي تواجه المجتمع. فالخلافة هي رئاسة عامة للمسلمين جميعاً في الدنيا لإقامة أحكام الشرع الإسلامي، وحمل الدعوة الإسلامية إلى العالم. فهي نظام الحكم في الإسلام، ولا يشبهها أي نظام في الدنيا لأن أساسها هو الوحي، قال النبي ﷺ: «كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمْ الْأَنْبِيَاءُ كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ وَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي وَسَتَكُونُ خُلَفَاءُ تَكْثُرُ». قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: «فُوا بِبَيْعَةِ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ وَأَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ» رواه مسلم. فالخلافة هي كيان المسلمين السياسي الذي يجمعهم في دولة واحدة، ولا يتم الحكم بالإسلام إلا في ظلها. لذلك كانت المادة الأولى من مشروع الدستور الذي أعده حزب التحرير تقول: (العقيدة الإسلامية هي أساس الدولة، بحيث لا يتأتى وجود شيء في كيانها أو جهازها أو محاسبتها أو كل ما يتعلق بها، إلا بجعل العقيدة الإسلامية أساساً له...). وهذا نقيض العلمانية والدولة المدنية. ومن هنا كان علاج دولة الخلافة للمشاكل سهلاً وميسوراً.
إن التحديات التي تواجه العالم وبخاصة السودان، كثيرة، منها تعدد الأعراق والثقافات والأديان في الدولة الواحدة، وقد عالجها الإسلام بأنظمته، باعتبارها مشاكل إنسانية، جاء في مشروع الدستور الذي أعده حزب التحرير المادة ٥: (جميع الذين يحملون التابعية الإسلامية يتمتعون بالحقوق والواجبات الشرعية). وجاء في المادة 6: (لا يجوز للدولة أن يكون لديها أي تمييز بين أفراد الرعية في ناحية الحكم أو القضاء أو رعاية الشؤون أو ما شاكل ذلك بل يجب أن تنظر للجميع نظرة واحدة بغض النظر عن العنصر أو الدين أو اللون أو غير ذلك). فالإسلام ينظر للأشخاص في الرعاية بتابعية الدولة، سواء أكان مسلماً أم كان من أهل الذمة، فلا يجوز أن يحصل أي تمييز في الرعاية، وذلك لعموم أدلة الحكم والقضاء ورعاية الشؤون، فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾.
ومن التحديات التي صنعها الاستعمار في السودان مثلاً، الحواكير، فلا وجود شرعاً لما يسمى بالحواكير؛ أي ديار القبائل في ظل الحياة الإسلامية، فالأرض لله استخلف فيها الإنسان، أما الفرد فيتملك الأرض للسكن أو للزراعة تملكاً فردياً بالأسباب الشرعية التي حددها الإسلام، ولا يجوز لمسلم أن يمنع أي شخص على أساس القبيلة أو الجهة أو غيرها من تملك الأرض، لحديث: «مَنْ أَحْيَا أَرْضاً مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ»، أما المراعي والغابات والأحراش فهي ملكيات عامة ينتفع بها جميع الناس. قال رسول الله ﷺ: «ثَلاثٌ لاَ يُمْنَعْنَ: المَاءُ وَالكَلأُ وَالنَّارُ». أما القبيلة فقد جعلها الله سبحانه وتعالى للتعارف لا للتفاضل والتفاخر، فلا نخرجها من هذه الدائرة إلى دائرة التباغض والتناحر بين الناس، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾. فلا وجود في الحياة الإسلامية لنظام الحواكير والإدارة الأهلية على الأساس القبلي.
ومن التحديات التي هي أثر من آثار الثقافة الغربية، النظرة للسلطة والحكم باعتباره كيكة، لذلك كان الصراع السياسي حول السلطة والثروة. هذه النظرة إلى الحكم باعتباره مغنما، وحصصاً توزع، يفسد الحياة السياسية في البلاد، ويجعل السياسيين مطية لتثبيت أقدام المستعمرين. والحقيقة أن الحكم في الإسلام رعاية ومسؤولية وأمانة، وليس كيكة ومغنما، يقول النبي ﷺ: «الإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ». فدولة الخلافة لا تعرف ما يسمى بصراع المركز والهامش أو ثورات الريف، والمحاصصات ولا الجهويات، بل تعرف الأهلية والكفاية.
إن مفهوم السلطة باعتبارها كيكة، هيأ المشهد لصنع المليشيات ضد الدولة في السودان، فترفع السلاح في وجهها، ومع الأسف فإن الدولة ساعدت على ذلك، بل تصنعها؛ فهي لا تتفاوض، ولا تعطي الحقوق، إلا لمن يملك القوة، فكان أول تمرد في عام 1955، ولا تزال المليشيات تتناسل حتى بلغت أكثر من 100 جماعة مسلحة بجانب الجيش! مع أن الجيش والقوة العسكرية في الدولة يجب أن تكون واحدة. لذلك وضع حزب التحرير المادة (66) في مشروع الدستور: (يجعـل الجيش كله جيشاً واحداً يوضع في معسكرات خاصة، إلا أنه يجب أن توضع بعض هذه المعسكرات في مختلف الولايات. وبعضها في الأمكنة الاستراتيجية، ويجعل بعضها معسكرات متنقلة تنقلاً دائمياً، تكون قوات ضاربة. وتنظم هذه المعسكرات في مجموعات متعددة يطلق على كل مجموعة منها اسم جيش ويوضع لها رقم فيقال الجيش الأول، الجيش الثالث مثلاً، أو تسمى باسم ولاية من الولايات أو عمالة من العمالات).
ومن التحديات اعتبار الحزبية شراً، وأن ليس في الإسلام أحزاب، وهذه النظرة صنعها الاستعمار، وهي أمر خطير وخبيث يسعى قادة الكفر لترسيخه لأمرين:
الأول: إبعاد المسلمين عن العمل الحزبي لإقامة الإسلام في واقع الحياة، حيث لا يكون العمل لإقامة الإسلام إلا بشكل جماعي تكتلي منظم كما فعل رسول الله ﷺ.
والثاني: إبعاد الدين عن السياسة والرعاية، حتى يكون دينا كهنوتيا محصورا في الشعائر التعبدية فقط، بينما شؤون السياسة والحكم تُترك لتشريع البشر كما هو حال الحكام والسياسيين الذين على شاكلتهم ممن كرسوا للعصبية، والديمقراطية العفنة التي صنعت الفوضى والفساد في الاقتصاد والأخلاق وفي كل أنظمة الحياة.
مع أن النهضة لا تكون إلا بتكتل يقوم على فكرة مبدئية، لذلك فإن إقامة الخلافة لا تكون إلا بحزب قائم على أساس العقيدة الإسلامية، وأيضاً المحافظة على الدولة لا تكون إلا بوجود حزب سياسي وهو فرض، قال تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. لذلك قلنا في المادة 21: (للمسلمين الحق في إقامة أحزاب سياسية لمحاسبة الحكام، أو الوصول للحكم عن طريق الأمة على شرط أن يكون أساسها العقيدة الإسلامية، وأن تكون الأحكام التي تتبناها أحكاماً شرعية. ولا يحتاج إنشاء الحزب لأي ترخيص. ويمنع أي تكتل يقوم على غير أساس الإسلام).
إن الأمة الإسلامية أمة عظيمة، أخرجت للناس لتسوسهم بأنظمة الإسلام وأحكامه، لذلك كانت السياسة في الإسلام عبادة وطاعة لله، ومن هنا كانت إقامة دولة الخلافة الراشدة الموعودة هي قضيتنا المصيرية وكانت غايتنا هي استئناف الحياة الإسلامية، وحمل رسالة الإسلام إلى العالم بالدعوة والجهاد. وإن غداً لناظره قريب بإذن الله تعالى.
بقلم: الأستاذ إبراهيم مشرف
عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية السودان
المصدر: جريدة الراية



