السبت، 27 ذو الحجة 1447هـ| 2026/06/13م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

جواب سؤال

 

هجمات أوكرانيا على روسيا خلال المنتدى الاقتصادي

 

السؤال:

 

نشرت الجزيرة نت في 10/6/2026 (أعلن الرئيس الأوكراني زيلينسكي اليوم الأربعاء أن بلاده استهدفت منشأة عسكرية روسية تبعد مئات الكيلومترات إلى الشرق من موسكو الليلة الماضية بصواريخ أوكرانية الصنع، وهو أمر أقرت به روسيا معلنة أيضاً اعتراضها مئات المسيرات الأوكرانية في مناطق متفرقة من البلاد...)، وكانت CNN عربية قد نشرت في 6/6/2026: (شنّت أوكرانيا هجوماً واسع النطاق بطائرات مسيّرة على مدينة سانت بطرسبرغ في وقت مبكر من صباح السبت، وذلك في اليوم الختامي للمنتدى الاقتصادي البارز الذي يستضيفه الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في المدينة. وتعرضت ثاني أكبر مدينة في روسيا لـ"هجوم واسع النطاق بطائرات مسيّرة عسكرية")، وقد تزامنت هذه الضربة الأوكرانية مع اليوم الختامي للمنتدى الاقتصادي الكبير الذي تنظمه روسيا في المدينة على غرار منتدى "دافوس". فما هي أبعاد هذه الضربات الأوكرانية الكبيرة التي أصبحت تطال أعماق روسيا، بل وفي وقت انعقاد المؤتمرات في بطرسبرغ ثاني أهم مدنها؟ وهل هي تكشف عن واقع جديد في روسيا بتحولها عن دولة كانت في عداد الدول الكبرى إلى دولة متوسطة القوة والتأثير؟!

 

الجواب:

 

للإجابة على التساؤلات أعلاه نستعرض الأمور التالية:

 

1- من حيث هذا الهجوم.. فما نشرته الجزيرة في 10/6/2026، وما نشرته CNN عربية، في 6/6/2026 هو وصف مفهم من حيث الواقع الذي أصبحت فيه روسيا، وخاصة هجمات أوكرانيا عليها خلال انعقاد المنتدى الاقتصادي في ثاني أهم مدينة في روسيا! ثم إن هذا الهجوم لم يكن فقط عند اختتام المنتدى بل كذلك عند بدايته!: [قصفت القوات الأوكرانية سانت بطرسبيرغ الروسية في اليوم الأخير للمنتدى الاقتصادي الدولي الذي تستضيفه المدينة... وفي اليوم الأول من المنتدى الاقتصادي الدولي الروسي الأربعاء تصاعدت أعمدة من الدخان في السماء فوق البلدة القديمة بعد هجوم على مصفاة نفط، واستقبل الضيوف الوافدون إلى الفعالية بعمود من الدخان الأسود في الخلفية... الشرق الأوسط، 6/6/2026]

 

2- وهذا النوع من الهجمات الكبيرة والقوية التي تستهدف منشآت ومدن هي الأهم في عمق روسيا وليس على الحدود مع أوكرانيا، وتتزامن مع حدث كبير في روسيا هو منتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي ويشارك به الرئيس بوتين بنفسه، تمثل تحدياً كبيراً لروسيا. فقد كانت أوكرانيا تمتنع عن القيام بأي هجوم خلف حدودها مع روسيا بداية الحرب، ثم صارت تهاجم الحدود وأخذت تتعمق في هجماتها حتى طالت مبنى الكرملين نفسه، وهاجمت مطارات في أعماق سيبيريا محطمةً طائرات استراتيجية لروسيا "البجعة البيضاء" والتي تمثل أحد أضلاع الثالوث النووي الروسي، ولم تتوقف هجماتها بعد ذلك على مدن روسيا القريبة والبعيدة، وها هي الآن تهاجم موسكو العاصمة وتهاجم مدينة سانت بطرسبرغ، وهي مدينة بالغة الأهمية في روسيا وكانت عاصمة لروسيا نهاية الحقبة القيصرية وبداية الحقبة الاشتراكية، وتهاجم في فترة انعقاد حدث دولي مهم للغاية لروسيا تقوم فيه بتقليد منتدى "دافوس" كإشارة إلى أهمية روسيا في الساحة الدولية، ومنها الجانب الاقتصادي، وهذا الحدث الاقتصادي الدولي بالنسبة لروسيا هو تجسيد لمشاعر العظمة الروسية، هكذا تنظر إليه روسيا. أي أن الهجوم الأوكراني الأول مع انطلاق المنتدى والهجوم الثاني مع نهاية أعمال المنتدى، ثم الهجمات اللاحقة الأخرى، كل ذلك يمثل تحطيماً لمشاعر العظمة الروسية، وكأن قوةً كبيرة تقف خلف أوكرانيا سواء أكانت أمريكا أم أوروبا تريد أن تقول لروسيا بأنكم دولة قزمة في الاقتصاد ولا يمكنكم حماية المدينة التي تستضيف ذلك الحدث الذي يولد فيكم مشاعر العظمة.

 

3- صحيح أن روسيا تهاجم أوكرانيا، (أمطرت روسيا العاصمة الأوكرانية والمنطقة المحيطة بها بمئات الطائرات المسيرة والصواريخ اليوم الأحد، بما في ذلك إطلاق صاروخ أوريشنيك فرط صوتي بالقرب من كييف، في واحدة ​من أعنف الهجمات التي تتعرض لها المدينة منذ اندلاع الحرب قبل أكثر من أربع سنوات. رويترز، 24/5/2026)، بمعنى أن كلتا الدولتين تهاجم إحداهما الأخرى، وأن الهجوم الأوكراني الأخير هو واحد من ضمن هذه الضربات المتبادلة.. لكن واقع هذه الضربات المتبادلة يدل على أن روسيا انخفضت عن كونها الدولة الكبرى التي تخشاها دول مثل أوكرانيا! فقد كانت روسيا تكسي نفسها بهالة من الهيبة تمنع أوكرانيا من مهاجمتها، بل إن أوكرانيا كانت بداية الحرب تمتنع عن مهاجمة جزيرة القرم التي اقتطعتها روسيا من أوكرانيا وضمتها لنفسها سنة 2014، وذلك خوفاً من ردة فعل بالغة الشدة من روسيا.

 

4- ثم أخذت هذه الهيبة الروسية تتساقط شيئاً فشيئاً خلال شهور الحرب حتى تآكلت تلك الهيبة كلياً وأصبحت الطريق مفتوحة أمام الهجمات الأوكرانية في أعمق أعماق روسيا وأقدس رموزها وأفخم مدنها وأدق الأوقات حساسية بالنسبة لها، ولعل التدقيق في التصريحات والمواقف الروسية التي تزامنت مع الهجومين، أو قبلهما وبعدهما، تدل على درجة عميقة من ضعف روسيا، فمع أن روسيا لا شك تدرك أن أوكرانيا تهاجم روسيا بدعم من أمريكا إلا أنها تتقرب إليها، وتصريحات بوتين تدل على ذلك:

 

أ- (أعرب الرئيس فلاديمير بوتين يوم أمس عن احترامه للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وجهوده لدفع التسوية في أوكرانيا، مشيدا بطريقة تعامله مع فلاديمير زيلينسكي. وعلى صعيد جهود التسوية، أعلن مساعد الرئيس الروسي يوري أوشاكوف مؤخرا أنه على اتصال بنظيره الأمريكي ستيفن ويتكوف، وصهر ترامب جاريد كوشنر، وأن زيارتهما لروسيا قيد التحضير. آر تي، 6/6/2026)

 

ب- (أوضح بوتين أن روسيا "مستعدة وتريد التوصل إلى اتفاق مع أوكرانيا بالوسائل السلمية، وبالتحديد على الأسس التي تحدثنا عنها في الاجتماع مع الرئيس ترامب في أنكوريج". وأشار الرئيس الروسي إلى أنه خلال المفاوضات التي جرت في أنكوريج، طُرحت أمام روسيا مسائل تتعلق بإمكانية تقديم البلاد لتنازلات معينة. وشدد قائلا: "وبخصوص حلول التسوية التي تحدثنا عنها في أنكوريج، فإن روسيا توافق عليها". وأضاف بوتين: "من الضروري أن توافق الجهة الأوكرانية على حلول التسوية هذه. وسيصل الصراع بسرعة إلى نهايته الطبيعية". آر تي، 4/6/2026)

 

5- ويبين كل ذلك مدى التراجع الروسي والضعف في النواحي العسكرية والاقتصادية والسياسية كما يلي:

 

أ- أما الناحية العسكرية فمنذ اندلاع الحرب الأوكرانية سنة 2022 خسرت روسيا العشرات من كبار جنرالاتها في حملات صيد عسكري أوكرانية ناجحة، وعانى الجيش الروسي وكابد مصاعب شديدة ظهرت في صعوبة المعارك حول مدن باخموت، وقبلها ماريوبل التي تحصن المقاتلون الأوكرانيون فيها في مصنع الصلب لفترة طويلة، وقبلها الفشل الذريع في هجوم روسيا على كييف وانتكاسة الجيش الروسي وانسحابه من عمق أوكرانيا وقراره التركيز على شرقها، وخسارة روسيا 40% من سفن أسطول البحر الأسود، وتدمير أعداد من طائراتها الاستراتيجية "البجعة البيضاء" في مدن تبعد آلاف الكيلومترات عن حدود أوكرانيا، وغير ذلك كثير... وهذه الانتكاسات، وتلك الخسارات، وعدم القدرة على تحقيق انتصار حاسم كلها قد أكدت حقيقة جديدة على الساحة الدولية بأن الجيش الروسي لا يمثل قوة عظمى، فهو لا يستطيع الانتصار في أوكرانيا، وقد هاجمه الرئيس الأمريكي ترامب حين قال بأن الحرب التي يفترض حسمها في أسبوعين ها هي تستمر أربع سنوات دون انتصار، وعليه فإن الحرب الأوكرانية قد تمخض عنها الكشف عن حقيقة لم تكن ظاهرة قبل هذه الحرب، وهي ضعف الجيش الروسي، أو على الأقل بأن هذا الجيش لا تتناسب قوته مع دولة عظمى، بل هي أقرب إلى القوة العسكرية المتوسطة كالجيش الهندي أو الباكستاني، لكن روسيا تبقى قوةً نووية كبرى، وهذه القوة النووية لم تخضع للتجربة العسكرية الفعلية، وقد صرح رئيس أوكرانيا زيلينسكي أثناء الحرب بأن القوة النووية الروسية تعاني من مشاكل فنية كبيرة، الأمر الذي يزرع الشك الكبير بحقيقة القوة النووية الروسية رغم أنها الركيزة الأخيرة لعظمة روسيا دولياً.

 

ب- أما الناحية الاقتصادية فلا يمكن لأي دولة أن تصبح قوةً عظمى إذا كانت ضعيفة اقتصادياً، وهذا هو حال روسيا اليوم، فرغم اتساع مساحتها وكثرة خيراتها الزراعية والنفطية والخامات والمعادن النادرة إلا أن مجمل ناتجها الاقتصادي هو 2.5 تريليون دولار في حده الأقصى، وتتقلب بين المركز الثامن والعاشر دولياً، وهي بعيدة كل البعد عن الصين وأمريكا اللتين يقارب ناتجهما الاقتصادي 20 و30 تريليون دولار على التوالي، وتسبقها اقتصادياً دول كثيرة أخرى مثل ألمانيا واليابان والهند وبريطانيا وفرنسا، وأحياناً تسبقها إيطاليا وكندا في بعض السنوات.

 

والاقتصاد الروسي يعتمد بشكل شبه أساسي على موارد الطاقة وتصدير الخامات، إذ لا يكاد العالم يعرف سلعة اقتصادية محددة تشتهر بها روسيا باستثناء السلاح، ولما انقطع شريان المال الأوروبي بفعل الحرب في أوكرانيا على وقع العقوبات المفروضة على نفط روسيا وغازها وتفجير خطوط الأنابيب "نورد ستريم" فإن الاقتصاد الروسي صار في مأزق، وأخذ يحاول الخروج من هذا المأزق متجهاً نحو الصين، إلا أن العقوبات الأمريكية وخشية الصين من أن تطالها تلك العقوبات قد أجبرت روسيا على بيع نفطها بأسعار قليلة لإغراء المشترين في الصين والهند وغيرهما، وبعد أربع سنوات من الحرب وهجرة الكثير من العقول الروسية إلى الخارج وارتكاز الاقتصاد على التصنيع الحربي لتغذية الجبهة الأوكرانية فإن وضع روسيا الاقتصادي يزداد صعوبة.

 

ج- وأما الناحية السياسية فإنه بعد الحرب في أوكرانيا سنة 2022 قد فرضت على روسيا عزلة سياسية كبيرة وضعت بينها وبين الكثير من دول العالم، خاصة الغربية، سداً كبيراً يمنع حركتها، وخسرت روسيا الكثير من علاقاتها الدولية.. ولما اندلعت حرب أمريكا وكيان يهود على إيران لم تقدم روسيا لإيران شيئاً ذا قيمة، وربما كان أقصى دعم تقدمه لإيران يتمثل بتقديم العزاء العلني بمقتل المرشد علي خامنئي، وعلى الرغم من توريد إيران لطائرات "شاهد" المسيرة لروسيا أثناء الحرب الأوكرانية إلا أنه لم يظهر أن روسيا قد قدمت شيئاً لإيران لتعزيز صمودها أمام الهجوم الكبير من أمريكا وكيان يهود، ومن الناحية السياسية فإن إيران إذا قدر لها أن تسير في طريق الاستقلال عن فلك أمريكا فإن توجهها لن يكون على الجانب الروسي بسبب ضعف السياسة الروسية، ولو كانت روسيا تمتلك رؤية سياسية تليق بدولة عظمى لتقدمت على الاتجاه الإيراني وساعدت إيران على إغراق السفن الأمريكية رداً على مساعدة أمريكا لأوكرانيا في إغراق سفن أسطول البحر الأسود الروسية، ولكسبت نفوذاً واسعاً داخل إيران، ولكن عدم قيامها بهذا يؤكد ضعف سياستها وأن هذه السياسة هي بمستوى القوى المتوسطة فقط، ولا تليق بدولة خاضت الحرب في أوكرانيا لتحسين مكانتها الدولية!

 

6- والخلاصة فإن محركات العظمة الروسية بدأت تتهاوى بل تجاوزت البداية في التهاوي.. فإن الهجمات الأوكرانية التي تدفع بها دول الغرب عموماً وأولها أمريكا جاءت في وقت حرج لروسيا، وقت انعقاد منتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي.. وقد سبقها إضعاف الجيش وإغراق سفنه الحربية التي هي محل تفاخر للشعب الروسي، مثل الطراد الكبير "موسكو" وهو سفينة قائدة لأسطول البحر الأسود، وتفجير أعداد من طائرات "البجعة البيضاء" حطم حصوناً من عظمة روسيا الجوية.. والهجوم الأخير على مدينة تستضيف المنتدى الدولي، وكل هذا يذكِّر الروس بأن مشاعر العظمة الروسية لا تتناسب مع الضعف الاقتصادي فيها، بل إن روسيا تستضيف حدثاً دولياً لا تستطيع حمايته.. ثم إن علاقاتها الدولية تتراجع وتهتز إذا استثنينا العلاقات مع بيلاروسيا.. حتى إن توجه روسيا للصين وما يسمى بالتحالف الروسي الصيني قد فشل، فلم تهب الصين لنجدة روسيا في أوقات المحن، رغم الاتفاقية الاستراتيجية بينهما ورغم تحالفهما في بريكس وشنغهاي وغيرهما، فهذه كلها تحالفات ثبت أنها رمزية لا ترقى لمستوى (إحياء العظمة الروسية) بعد تراجعها واهتزازها.

 

وفي الختام فإن روسيا وإن كانت سبقت دول الغرب وخاصة أمريكا في الضعف والاهتزاز، إلا أن كل الدول الكافرة المستعمرة تحمل فشلها معها، وسيظهر هذا جلياً عند قيام الخلافة الراشدة بإذن الله، حيث تعيد فيهم سيرة سقوط أكاسرة الفرس وقياصرة الروم أمام قوة دولة الإسلام، الخلافة على منهاج النبوة.. وهذه الدول وإن عادت إلى الوقوف على أقدامها بعد زوال دولة الخلافة، إلا أنها ستعود إلى الانهيار عند إقامة الخلافة التي وعدنا بها القوي العزيز ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، وبشرنا بها رسول الله ﷺ الصادق الأمين بأنها ستعود بعد هذا الحكم الجبري الذي فيه نعيش: أخرج أحمد... عن حذيفة رضي الله عنه قال رسول الله ﷺ: «...ثُمَّ تَكُونُ مُلْكاً جَبْرِيَّةً فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ ثُمَّ سَكَتَ» وإن هذا لكائن بإذن الله ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.

 

في السادس والعشرين من ذي الحجة 1447هـ

12/6/2026م

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع