الأحد، 19 رمضان 1447هـ| 2026/03/08م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية
مصر حين تهرب الأموال الساخنة… وينكشف اقتصاد الديون

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

مصر حين تهرب الأموال الساخنة… وينكشف اقتصاد الديون

 

 

الخبر:

 

نشرت صحيفة المصري اليوم بتاريخ 5 آذار/مارس 2026 خبراً يفيد بارتفاع تكلفة التأمين على الديون السيادية لمصر بمقدار 17 نقطة أساس لتصل إلى نحو 348 نقطة أساس لعقود الخمس سنوات، في مؤشر يعكس ارتفاع مستوى المخاطر المرتبطة بالاقتصاد المصري وزيادة تكلفة اقتراض الدولة من الأسواق العالمية. كما سجل المستثمرون الأجانب صافي بيع في أدوات الدين الحكومية بنحو 347.5 مليون دولار خلال جلسة تداول واحدة، بعدما باعوا أذون خزانة وسندات بمليارات الجنيهات في السوق الثانوية. وأشار خبراء إلى أن تداعيات التوترات الإقليمية والحرب الدائرة في المنطقة أثرت على الاقتصاد المصري، حيث قُدرت خسائره منذ اندلاع هذه التطورات بنحو 10 مليارات دولار، مع ارتفاع سعر الدولار مقابل الجنيه بنسبة تتراوح بين 7 و8% ما يزيد من تكلفة الواردات ويضغط على سوق الصرف.

 

التعليق:

 

ارتفاع تكلفة التأمين على الديون السيادية لمصر إلى نحو 348 نقطة أساس، مع تسجيل المستثمرين الأجانب صافي بيع في أدوات الدين الحكومية بما يقارب 347 مليون دولار في يوم واحد، ليس مجرد تطور مالي عابر في أسواق المال، بل هو مؤشر كاشف لطبيعة الاقتصاد الذي تدار به مصر، وللمأزق الذي تعيشه حين يصبح تمويلها قائماً على الديون الربوية وعلى استرضاء الأسواق المالية العالمية.

 

الاقتصاد المصري في السنوات الأخيرة بات يعتمد بصورة متزايدة على ما يسمى الأموال الساخنة، أي الاستثمارات الأجنبية التي تدخل إلى أذون الخزانة والسندات الحكومية للاستفادة من أسعار الربا المرتفعة، ثم تغادر سريعاً عند أول إشارة إلى اضطراب اقتصادي أو سياسي. وهذه الأموال لا تمثل استثماراً حقيقياً في الصناعة أو الزراعة أو الإنتاج، بل هي في حقيقتها مضاربة مالية تقوم على تحقيق أرباح سريعة من الربا.

 

ولهذا فإن خروج هذه الأموال من السوق المصرية ليس أمراً مفاجئاً، بل هو نتيجة طبيعية لبنية اقتصادية هشة تقوم على استجلاب الأموال الأجنبية لتغطية عجز الموازنة وسداد الديون السابقة. فالمستثمر الأجنبي حين يدخل إلى أدوات الدين لا يدخل ليبني اقتصاداً أو ينهض ببلاد، وإنما يدخل ليحصل على أعلى عائد ممكن، فإذا رأى أن المخاطر ارتفعت أو أن العائد لم يعد مغرياً، سحب أمواله وغادر بلا تردد.

 

إن ارتفاع تكلفة التأمين على الديون السيادية هو تعبير واضح عن إدراك الأسواق المالية العالمية لارتفاع مخاطر الدين المصري. وهذا المؤشر في حقيقته مقياس لاحتمال تعثر الدولة في سداد ديونها، وكلما ارتفع ارتفعت معه الزيادة الربوية المطلوبة على القروض الجديدة. وبذلك تدخل الدولة في دائرة مفرغة: تقترض بنسب ربوية مرتفعة، فتتضخم خدمة الدين في الموازنة، فتضطر إلى اقتراض جديد لسداد القديم، فتزداد المخاطر أكثر.

 

وهذه الدائرة ليست مجرد خطأ إداري أو سوء إدارة مالية، بل هي نتيجة مباشرة لاعتماد الدولة على النظام الاقتصادي الرأسمالي الذي يقوم أساساً على الربا وعلى تحويل المال إلى سلعة تُباع وتُشترى في الأسواق المالية. ففي هذا النظام يصبح الدين نفسه مصدراً للربح، وتتحول الدولة إلى مدين دائم للغرب ومؤسساته الاستعمارية.

 

لقد أصبح واضحاً اليوم أن جزءاً كبيراً من موارد الدولة يذهب لسداد ربا الديون لا لبناء اقتصاد حقيقي أو توفير حاجات الناس الأساسية. فالديون تتراكم عاماً بعد عام، وخدمة الدين تبتلع جزءاً متزايداً من الموازنة، بينما يظل الاقتصاد الحقيقي عاجزاً عن تحقيق الاكتفاء وﻻ يهتم برعاية شؤون الناس بل ربما لا يراهم أصلا إلا من خلال برامج الدائنين.

 

والمفارقة أن هذه الديون لا تأتي دون شروط. فالمؤسسات الاستعمارية، وعلى رأسها صندوق النقد الدولي، لا تمنح القروض إلا مقابل تنفيذ سياسات اقتصادية محددة، مثل تعويم العملة، ورفع الدعم، وفرض ضرائب جديدة، وتقليص الإنفاق الخدماتي. وهذه السياسات غالباً ما تؤدي إلى تحميل الناس كلفة الأزمة الاقتصادية، بينما يبقى جوهر النظام الاقتصادي كما هو: قائماً على الربا والديون.

 

إن المشكلة الحقيقية ليست في حجم الدين وحده، بل في الأساس الذي يقوم عليه الاقتصاد. فالاقتصاد الذي يعتمد على الاقتراض الربوي لا يمكن أن يكون اقتصاداً مستقراً أو مستقلاً، لأنه يربط مصير البلاد بالمقرضين وبأسواق المال العالمية.

 

إن الربا محرم تحريماً قاطعاً، فهو يؤدي إلى تركيز الثروة في يد فئة قليلة، ويحول المال إلى أداة للاستغلال بدل أن يكون وسيلة للإنتاج. ولذلك جاء تحريمه بصيغة شديدة الوعيد، لأن آثاره لا تقتصر على الفرد، بل تمتد إلى المجتمع كله.

 

وفي الإسلام لا تقوم الدولة بتمويل نفسها عبر الديون الربوية، بل تعتمد على موارد شرعية ثابتة، مثل الخراج والزكاة والفيء وعوائد الملكيات العامة. كما أن الثروات الكبرى في الأمة، مثل النفط والغاز والمعادن، تعتبر ملكية عامة للأمة، ولا يجوز تمكين الشركات الأجنبية منها أو تحويلها إلى مصدر للربح الخاص.

 

إن إدارة هذه الثروات وفق الأحكام الشرعية كفيلة بتوفير موارد ضخمة للدولة دون الحاجة إلى الوقوع في فخ الديون الربوية. كما أن ربط المال بالإنتاج الحقيقي، ومنع المضاربات المالية والاحتكار، يؤدي إلى اقتصاد أكثر استقراراً وقدرة على رعاية شؤون الناس.

 

ولهذا فإن الحديث عن إصلاح اقتصادي حقيقي لا يمكن أن يقتصر على تحسين المؤشرات المالية أو جذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية، بل يجب أن يتناول الأساس الفكري والسياسي الذي يقوم عليه النظام الاقتصادي نفسه. فالأمة التي تمتلك من الثروات الطبيعية والبشرية ما تمتلكه مصر، لا ينبغي أن تبقى معتمدة على القروض وعلى استرضاء الأسواق المالية العالمية.

 

يا أهل الكنانة: إن ما ترونه اليوم من أزمات اقتصادية متلاحقة، ومن ارتفاع في الأسعار، ومن تقلبات في العملة، ليس مجرد خلل عابر في إدارة الاقتصاد، بل هو نتيجة طبيعية لنظام اقتصادي قائم على الربا والديون وعلى التبعية للمؤسسات المالية الدولية. ولن يكون الخلاص الحقيقي بمزيد من القروض ولا بمزيد من الإجراءات التقشفية، بل بإقامة دولة الإسلام بنظامها الاقتصادي العادل الذي يحرر البلاد من الربا ومن هيمنة المقرضين.

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

محمود الليثي

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

 

وسائط

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع