- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
يجب على الاحتجاجات في إندونيسيا أن تُعالج النيوليبرالية بوصفها السبب الجذري للأزمة
الخبر:
نزل نحو 1500 طالب إندونيسي إلى شوارع جاكرتا في مظاهرة تحت شعار "إندونيسيا تتجه نحو الإفلاس"، احتجاجاً على عدد من السياسات الاقتصادية التي تنتهجها حكومة الرئيس برابوو سوبيانتو. وطالب المحتجون بخفض أسعار الوقود والمواد الغذائية، وإلغاء البرامج التي يرون أنها مكلفة وتستنزف ميزانية الدولة، مثل برنامج الوجبات المجانية ومبادرات التعاونيات القروية، بالإضافة إلى تقليص دور الجيش في الشؤون المدنية.
وجاءت هذه المظاهرات على خلفية ارتفاع تكاليف المعيشة، وزيادة أسعار الوقود بنسبة 32%، وتراجع قيمة الروبية الإندونيسية، وتزايد الضغوط المالية التي تواجهها الحكومة. وأكد الطلاب أن أولويات الإنفاق العام غير سليمة، وأن الحكومة لا تعترف بشكل كافٍ بالتحديات الاقتصادية التي تواجه البلاد.
وقد نشرت السلطات آلافاً من أفراد قوات الأمن لتأمين المظاهرات، وشهدت بعض المواقع احتكاكات محدودة بين المتظاهرين وقوات الشرطة. (الجزيرة كوم)
التعليق:
لا ينبغي النظر إلى الاحتجاجات الطلابية الأخيرة في إندونيسيا على أنها مجرد رد فعل على ارتفاع أسعار الوقود، أو التضخم في أسعار المواد الغذائية، أو تخفيضات الموازنة، بل إنها تعكس حالة أعمق من الإحباط الشعبي تجاه المسار الطويل الأمد للاقتصاد السياسي الإندونيسي. وبينما أصبح الرئيس برابوو سوبيانتو الهدف المباشر للانتقادات، فإن العديد من التحديات الاقتصادية التي تواجهها إندونيسيا اليوم هي في الواقع نتيجة تراكمية للسياسات الاقتصادية الليبرالية التي انتهجتها الحكومات المتعاقبة على مدى العقود الماضية.
ومنذ مرحلة ما بعد النظام الجديد (العهد الذي أعقب سقوط سوهارتو)، تبنّت إندونيسيا نموذجاً تنموياً يعتمد بشكل كبير على الإصلاحات الموجهة نحو السوق، والاستثمارات الأجنبية، والخصخصة، والاستغلال المكثف للموارد الطبيعية. وقد أصبحت قطاعات استراتيجية مثل الفحم والنيكل والغابات وغيرها من الموارد الطبيعية خاضعة بشكل متزايد لهيمنة الشركات الخاصة الكبرى والمستثمرين الأجانب. ونتيجة لذلك، تراجعت قدرة الدولة على السيطرة المباشرة على هذه الموارد والاستفادة منها، في حين تركزت المكاسب الاقتصادية في أيدي مجموعة محدودة من الفاعلين الاقتصاديين.
وفي الوقت نفسه، لا تزال الموازنة العامة الإندونيسية تعتمد بدرجة كبيرة على الضرائب والتمويل عبر الديون. وقد اقترب الدين الحكومي من مستوى 10 آلاف تريليون روبية، حيث بلغ نحو 9,920 تريليون روبية بحلول آذار/مارس 2026. ورغم تأكيد الحكومة أن نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي لا تزال ضمن حدود يمكن التحكم بها، فإن الاعتماد المتزايد على الاقتراض يكشف عن نقاط ضعف هيكلية في النموذج المالي للدولة.
وقد زادت إدارة برابوو من المخاوف العامة من خلال عدد من السياسات المثيرة للجدل. ومن أكثرها إثارة للنقاش برنامج "كفاية الموازنة" واسع النطاق، الذي أعاد توجيه مئات التريليونات من الروبيات من الإنفاق الحكومي نحو برامج رئيسية، مثل برنامج الوجبات الغذائية المجانية. ويرى المنتقدون أنه رغم أهمية برامج الرعاية الاجتماعية، فإن تخصيص هذا الحجم الضخم من الموارد العامة لبرنامج واحد قد قلّص المرونة المالية للدولة، وأدى إلى ضغوط على قطاعات أخرى من الإنفاق العام.
لذلك، فإن موجة الاحتجاجات الحالية تمثل أكثر من مجرد استياء من سياسات حكومية محددة. فهي ترمز إلى تنامي الإحباط الشعبي من نظام اقتصادي يرى كثيرون أنه فشل في تحقيق الازدهار بصورة شاملة وعادلة. ومع ذلك، لا تزال معظم المظاهرات تركز على أعراض المشكلة، مثل أسعار الوقود، وتكاليف المعيشة، وتقليص الموازنات، واتهامات الفساد، بدلاً من معالجة ما يعتبره العديد من النقاد السبب الجذري للأزمة، وهو النموذج النيوليبرالي الذي شكّل إدارة الاقتصاد الإندونيسي لعقود طويلة.
وإذا أراد المجتمع الإندونيسي إيجاد حلول طويلة الأمد للأزمات الاقتصادية المتكررة، فإن النقاش العام يجب أن يتجاوز نتائج السياسات الآنية، وأن يبدأ في مساءلة الافتراضات الأساسية التي يقوم عليها النموذج التنموي نفسه. وينبغي أن تصبح قضايا سيطرة الدولة على الموارد الاستراتيجية، والسيادة المالية، والاعتماد على الديون، ودور السوق في تحقيق الرفاه المجتمعي، جزءاً أساسياً من الحوار الوطني.
ومن دون معالجة هذه القضايا الهيكلية، ستستمر الاحتجاجات في الظهور مع كل أزمة جديدة، بينما تبقى الأسباب الجوهرية للهشاشة الاقتصادية على حالها دون تغيير. وفي هذا السياق، يواجه الحراك الطلابي تحدياً مهماً يتمثل في تحويل الغضب الشعبي من الأعباء الاقتصادية المباشرة إلى نقد أوسع للنموذج الفكري والاقتصادي الذي أنتج هذه الأزمات. وعندها فقط يمكن لإندونيسيا أن تنتقل من الاحتجاج على نتائج السياسات إلى مناقشة الأسس التي يقوم عليها النظام الاقتصادي والسياسي بأكمله.
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
عبد الله أسوار



