- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
خليط من الأحزاب السياسية يقود الشعب البريطاني إلى المصير المحتوم نفسه
(مترجم)
الخبر:
في مواجهة تحقيق تجريه شرطة العاصمة البريطانية بشأن تبرعات بقيمة 500 ألف جنيه إسترليني، وتحقيق آخر للجنة المعايير البرلمانية حول هدية بقيمة 5 ملايين جنيه إسترليني، استقال نايجل فاراج من منصبه كنائب عن حزب إصلاح المملكة المتحدة في دائرة كلاكتون، ليُعلن عن انتخابات فرعية يُصرّ على أنها ستكون صراعاً بين الشعب والحكومة. ومع ذلك، في ظل مقاطعة حزب العمال والمحافظين والأحزاب الرئيسية الأخرى للانتخابات، يُعدّ الكونت بينفيس أبرز منافسي فاراج، وهو ممثل كوميدي يرتدي زيّ سلة مهملات فضية، ويدّعي أنه قادم من كوكب سيجما 9، ويتعهد بتأميم أديل.
التعليق:
بنى نايجل فاراج مسيرته السياسية على مهاجمة الحكومة، مصوراً نفسه المدافع الوحيد عن المهمشين المحاصرين من كارتل فاسد في وستمنستر. في عام 2018، شارك في تأسيس حزب سياسي شعبوي يميني متطرف، كان يُعرف في الأصل بحزب بريكست، وهو الحزب الذي يديره. أثبتت رواية فاراج الشعبوية جاذبيتها، لكن واقع الوضع المالي لحزب الإصلاح البريطاني يكشف زيفها. فبدل أن يكون الحزب تمرداً من خارج الحكومة، فهو أداة للثروات الخارجية، تموله طبقة المليارديرات نفسها التي أمضت عقوداً في تقليص الخدمات العامة وتكديس عائدات الضرائب. لم ينكشف القناع عن حزب الإصلاح فحسب، بل عن المهزلة السياسية برمتها للنظام الحزبي في بريطانيا: فالمتبرعون الأثرياء أنفسهم الذين يدعمون فاراج هم أيضاً رعاة حزب المحافظين، بينما دأب حزب العمال لعقود على احتضان النخب المليارديرة نفسها، مخففاً وعوده للطبقة العاملة مقابل أموالهم. إن الديمقراطية في بريطانيا ليست سوى حرب مزايدة بين الأثرياء، ما يجعلها دولة يحكمها الأثرياء بدل أن تكون ديمقراطية، وهذه هي الحقيقة الحتمية للرأسمالية أينما وُجدت.
وتخضع الآلية التي تقف وراء تمرد فاراج الآن لتدقيق غير مسبوق. يخطط نيك كاندي، الملياردير وأمين الصندوق الفخري لمنظمة إصلاح المملكة المتحدة، لجمع مبلغ قياسي قدره 100 مليون جنيه إسترليني، متجاوزاً بذلك حزبي العمال والمحافظين في جمع التبرعات. وقد تبرع كريستوفر هاربورن، أكبر داعم لهذه المنظمة، وهو ملياردير بريطاني من أصل تايلاندي يمتلك حصة 12% في شركة تيثر وأصولاً خارجية في جزر العذراء البريطانية، بمبلغ 15 مليون جنيه إسترليني خلال العام الماضي، بما في ذلك أكبر تبرع فردي على الإطلاق لحزب سياسي بريطاني. كما أضاف بن ديلو، وهو ملياردير آخر في مجال العملات المشفرة، 4 ملايين جنيه إسترليني. ويمثل هؤلاء مجتمعين 71% من دخل منظمة إصلاح المملكة المتحدة المسجل. تُشير شركات هاربورن للتعاقدات العسكرية وفعاليات كاندي لجمع التبرعات من خارج البلاد، إلى جانب عائلة كوتريل، التي أدين ابنها جورج بتهمة الاحتيال الإلكتروني في الولايات المتحدة ويعمل من الجبل الأسود، إلى صورة من السرية واحتمالية وجود مخالفات قانونية. وتحقق شرطة العاصمة البريطانية في تبرعات بقيمة 500 ألف جنيه إسترليني من فيونا كوتريل، بينما يواجه فاراج نفسه تحقيقاً من لجنة المعايير البرلمانية البريطانية بشأن هبة بقيمة 5 ملايين جنيه إسترليني من هاربورن، والتي تم تعليقها فقط بعد استقالته من مقعده.
تمتد هذه الشبكة لتشمل حزب المحافظين. فقد دأب مانحون مثل هاربورن وكاندي على التنقل بين الحزبين، متعاملين معهما كاستثمارات قابلة للتبادل. وقد موّل واحد من كل ثلاثة مليارديرات بريطانيين حزب المحافظين، حيث تبرع 48 منهم بأكثر من 50 مليون جنيه إسترليني منذ عام 2005. ويُظهر تبرع ديفيد بيرز الأخير بمبلغ مليون جنيه إسترليني، وتبرع ديفيد سوليفان المسجون بمبلغ 112,500 جنيه إسترليني، مرونة الحزب الأخلاقية. فعندما تنضم شخصيات من حزب المحافظين إلى حزب الإصلاح، فإنهم يتبعون المال لا الأيديولوجية.
أما حزب العمال، فقد أسسته نخبة من الأثرياء وأصحاب الامتيازات، لا الفقراء؛ مع أنه يُفترض أنه من أجل الفقراء، الذين تم تهميش نفوذهم منذ زمن. ويبدو أن سيطرة حزب العمال قد اكتملت الآن. فقد تعهد زعيم حزب العمال، كير ستارمر، في صفوف المعارضة، بإلغاء الوضع الضريبي غير المقيم، وهو قانون يعود لقرون مضت يسمح للمقيمين في بريطانيا الذين يملكون منازل دائمة في الخارج بتجنب دفع الضرائب البريطانية على دخلهم وأرباحهم الخارجية. وقد استغل مديرو صناديق التحوط وأقطاب الأسهم الخاصة هذا الوضع لفترة طويلة لحماية مليارات الجنيهات. وعد حزب العمال أيضاً بسد ثغرة حصة الأرباح، التي تسمح لشركاء الأسهم الخاصة بمعاملة رسوم أدائهم كأرباح رأسمالية بدل دخل، ما يخفض معدل الضريبة من 45% إلى 28%. إلا أن هذا الوعد تلاشى في الحكومة. فقد استُبدل بنظام غير المقيمين نظام لا يزال يمنح إعفاءات سخية للوافدين الجدد، بينما أُدرجت حصة الأرباح ضمن ضريبة الدخل، ولكن لم تُرفع إلا بشكل طفيف إلى معدل فعلي يبلغ حوالي 34% لما يُسمى حصة الأرباح المؤهلة. في الوقت نفسه، لا يزال بإمكان غير المقيمين في بريطانيا التهرب من ضريبة على حصص أرباحهم بالكامل. بصمات مانحي حزب العمال واضحة للعيان: اللورد سينسبري، وغاري لوبنر، وشركة كوادراتشر كابيتال، وهي صندوق تحوط مسجل في جزر كايمان ويُعد أكبر مانح لحزب العمال على الإطلاق، جميعهم ضمنوا عدم وصول إعادة التوزيع الجذرية إلى القانون. والنتيجة هي حلقة سياسية مغلقة. وتُضخّم صحف مردوخ وجي بي نيوز، التي تدفع بسخاء لفاراج، أجندة المانحين. سافر زعيم حزب العمال السابق، توني بلير، إلى أستراليا لإقناع روبرت مردوخ بتحويل ولاء إمبراطوريته الإعلامية لدعم حزب العمال، وهو ما وافق عليه مردوخ، ما أدى إلى فوز حزب العمال في انتخابات عام 1997 بعد 18 عاماً من حكم حزب المحافظين. حزب العمال، الذي كان ينتقد الحزب بشدة، يقبل الآن بمجلس لوردات مليء بالمقربين. ما يجمع الأحزاب الثلاثة هو إخضاع مصالح عامة الناس. نظام الضرائب، والإسكان، وسياسة الطاقة، كلها تعكس عائدات المانحين على استثماراتهم. كل حملة لجمع التبرعات تهدف إلى تحويل الثروة إلى سلطة. هذا هو حكم الأقلية الثرية. وهذه هي بريطانيا. وهذا هو الظلم.
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
عبد الحميد مارتن



