الخميس، 19 رجب 1447هـ| 2026/01/08م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

تسلل ناعم وسقوط عميق!

التدرج القيمي الذي أطاح بهويتنا

 

هل تساءلنا يوما كيف وصلنا إلى هذا التدرج الجذري في قيمنا؟

 

الواقع المرير يشير إلى أننا الآن نجني ثمار أفكار ومخططات زرعت منذ أجيال، بداية من أجدادنا، ثم آبائنا، ووصلت إلينا كجيل السبعينات والثمانينات، لنصبح نحن اليوم آباء لجيل التسعينات والألفين.

 

آباؤنا كانوا الشجرة، ونحن الثمار، وأطفالنا هم البذور الجديدة لعصر مخطط له بإحكام: نزع الإيمان وتشويهه بطريقة ممنهجة!

 

هل فكرت لماذا كانت القيم عند أجدادنا أشد وأقوى؟ لماذا آباؤنا كان لديهم نوع من الانضباط والتمسك بالقيم أكثر منا؟ ولماذا جيلنا مختلف؟ ولماذا أطفالنا الآن يعيشون في فضاء مفتوح بلا حدود؟

 

مثال بسيط: هل كان مسموحا شرب الخمر في زمن أجدادنا؟ أبدا. هل كان ممنوعا في زمن آبائنا؟ كان ممنوعا بشدة. أما الآن؟ فقد صار الأمر "حرية"، وغدا قد يصبح "مباحاً"!

 

كيف بدأت هذه التغييرات؟ الإعلام مثلا في البداية، كانت الأفلام والمسرحيات تحت رقابة صارمة ثم تراجعت الرقابة بحجة "حرية التعبير"، ثم ظهرت المنصات ويوتيوب بحرية مطلقة، بل ومحمية من الرقابة.

 

وهكذا، تدريجيا بدأت الفضيلة تنكسر، والقيم التي كانت تزرع وتحفظ وتغرس في الأرض الصالحة بدأت تتلاشى.

 

 فلنلق نظرة خاطفة على واقع مدارسنا وجامعتنا، أليس الاختلاط اليوم أهم مقوماتها وإن لم يختلط الذكر مع الأنثى يكتب فيه تقرير مشككا بميوله!! وكأن التزامه بعدم الاختلاط تهمة توجب التحقيق فيها!!

 

وهل جربت أن تجلس وتشاهد أفلام الكرتون أو المسلسلات التي تستهدف أطفالك؟ ستجدها تعرض العري والقبلات والأحضان وتشجع على استقلال الصبيان عن بيت العائلة، وترسم لهم الحياة المستقلة الوردية، ولهم كل الحق في تجربة الحياة واكتشاف المحيط الممتع، غارقين في الزنا والمخدرات، أليست طروحات غربية تركز على اللذة والشهوانية لا تمسنا بطرف؟

 

هل تصفحت يوما ماذا أضيف لمادة التاريخ الذي درسته مشوهاً حتى بدت الآن ممسوخة؟ نحن جيل قرأنا عن خالد بن الوليد على الأقل، أما اليوم ففكرة الجهاد تطرح على أنها عنف وإرهاب، وأن السلام الدائم هو الذي يؤدي للازدهار وإن عشت بلا كرامة! ناهيك عن زرع فكرة تقديس الحاكم وعدم المساس بسيادته... دهر عشنا فيه لكن قلوبنا مستنكرة، أما اليوم فقد تطور للدعوة لطاعة (ولي الأمر) وإن كان طاغوتا أو ظالما أو فاسقا، وتجدهم يدافعون عنه قلبا وقالبا.

 

لأوضح الفكرة أكثر، دعوني أسلط الضوء على مسألة أخرى؛ قضية القوامة وحقوق المرأة، فقد بدأ الأمر بسحب القوامة من الرجل تدريجيا، حتى أصبحت المرأة مستقلة ماديا، ولها حقوق تفوق الرجل، وهذا كله نتاج لمجتمع يحكم بموجب حقوق غربية شاذة عن ديننا وقيمنا.

 

أعطيت المرأة حق العمل، بينما الرجل يعاني من البطالة، فالرجل الذي لا يملك مالاً يشعر بالنقص، والمرأة المستقلة تشعر بالاستغناء عنه، وهكذا لم يعد للرجل كلمة في بيته، ولا حتى على أطفاله، فالطفل اليوم له حقوق دولية، وقادر على سجن والديه!

 

بينما في الماضي، كانت الأسرة لها رب يرعاها، يهابه الجميع، وكانت أشد وثاقا، والروابط بين أفرادها أقوى، إلا أنها بدأت بالتفكك تدريجيا، وأصبح العيش ضمن نموذج أسرة إسلامية مستقرة قائمة على المودة والرحمة، والقوامة والطاعة للوالدين ضرباً من الخيال!

 

صدق رسول الله ﷺ حين قال: «أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا» وهذا هو واقعنا اليوم، فالمرأة اليوم حرة، تخرج متى تريد، وتسافر وحدها، تقيم في الخارج بدون محرم بحجة العمل أو الدراسة، وصارت تختار عريسها بنفسها، بينما في الماضي كانت تقول: "ما يرضاه أبي، أرضاه". أما اليوم فتقول: "أريده وليس لك من الأمر شيء"، وربما بعد سنوات تخبر والديها برسالة أنها تزوجت، من حقها! أليس كذلك؟ فهي ثمرة من الثمار التي نتجت من زراعة الشيطان في تربتنا.

 

فلنُجر التفاتة سريعة، لمثال آخر للانحراف التدريجي وهو قضية المثلية والشذوذ:

 

في السابق، كان المجتمع إذا اكتشف مثلية وشذوذا في أسرة ما، يهدر دم ذلك الشخص، ثم تدرج الأمر وأصبح الشاذ يلجأ إلى بلد أجنبي يسمح بذلك. أما اليوم فنجد أن هناك اتفاقيات تمنحهم كامل الحقوق، فلا تستغرب بعد عشر سنين أن تجد حفيدك متزوجاً من رجل في بيتك! ليست نكتة بل واقع قد يحدث إن غفلنا.

 

إن هذه الأمثلة هي غيض من فيض ولا يسعنا المقام لذكر موسع لقضايا مصيرية لُوثت وقريبا ستموت.

 

قد نستنكر هذا الوضع بدون حزم أو ضبط، لكن الخطر يكمن في جيل أبنائنا فهو جيل متقبل ومتشرب قوي للفكرة.

 

 أليس من المؤسف أن نجد أنفسنا بعد عشر سنين لا نملك حق الاعتراض على تصرفات أحفادنا؟

 

دعونا نقف نحن جيل الآباء اليوم أمام مرآة واقعنا كلحظه استدراك... ولنعترف أننا جيل يفتقر لمعرفة تاريخنا ومجد أجدادنا ورسولنا ﷺ، ففراغنا النسبي أدى لجيل فارغ تماما، فلو سألنا عن مسألة دينية نجد الجهل سيد الموقف، وإذا سألنا عن اسم ممثل أو برنامج تلفزيوني نبرع في الإجابة!

 

إذا كنا نحن بهذه الحالة، فحتما ستكون ثمار أبنائنا فارغة، أما ثمار أحفادنا فهي ثمار ميتة، لا دين لها، ولا هوية، ولا عزة.

 

فهل أدركتم خطورة ما قد تؤدي إليه هذه البذور إذا تركناها تنمو في هذه التربة التي نجّسها الشيطان؟ هل فكرنا يوما كيف سيكون حال أبنائنا إذا استمررنا في قبول هذه القيم؟

 

لنحذر ولنقف معا لإعادة زرع القيم الأصيلة التي تجعل أبناءنا بذورا صالحة تنبت ثمارها في أحفادنا، فلنقف معا قبل فوات الأوان، ولندرك أبناءنا ونُعِدْ زرع القيم الحقيقية القائمة على منهاج الله سبحانه وتعالى ورسوله الكريم ﷺ، لنحصد ثمارا صالحة تنشأ من جديد في أسرة قائمة على نهج رسول الله، أسمى أهدافها إعادة الخلافة على منهج رسول الله، تكسر معول الشيطان وتتطهر الأرض وتعيد حراثتها وفقا لقيم إسلامية عليا، فتنصر المظلوم وتكرم المرأة، وتعيد للرجل قوامته، وللبشرية فطرتها السليمة، وإلا فلا تلوموا إلا أنفسكم لأن أدوات الشيطان اليوم ومغرياته ليست عادية، بل مدعومة بمنصات، وتشريعات، وقوانين، وإعلام، ومؤسسات تربوية، واقتصاد عالمي موجه... إنها أعظم من أن يواجهها فرد بمفرده مهما بلغ من الوعي، ومهما حاول، فالمعركة أكبر من أن تخاض بدون سند، فلنغذ السير مع العاملين لاستئناف الحياة الإسلامية ووضع شرع الله موضع التطبيق بإقامة الخلافة الراشدة، عندها سيمكننا الله من النصر تحت قيادة خليفة يرعى شؤون الناس ويقودهم بنور الوحي، ويعيد للعقيدة مكانتها التي تكسر أصنام الفكر الغربي المزروع في أجيالنا وأجيال أبنائنا وتعيد صياغة القيم فينا على ميزان الشرع لا الهوى، فالفرد وحده ينهزم والأمة بهدي الله تنتصر.

 

قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً * إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾.

 

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

منال أم عبيدة

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع