- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
سلسلة رمضان وبناء الأمة من جديد
الحلقة التاسعة
لماذا يُجوَّع الناس في بلد غني؟!
الجوع في مصر لا يرتبط بقلة الطعام في الأسواق. المحال ممتلئة، والمخابز تعمل، والمنتجات الزراعية تُصدَّر أحياناً إلى الخارج. ومع ذلك، هناك أسر تقلل عدد الوجبات، وأخرى تستغني عن البروتين، وثالثة تعيش على الحد الأدنى من السعرات. هذا التناقض يكشف أن المشكلة ليست دائماً في حجم الإنتاج، بل في القدرة على الوصول إليه.
حين ننظر إلى المشهد ببساطة، نجد أن المعادلة واضحة: إذا كان دخل الأسرة لا يواكب ارتفاع الأسعار، فإن توفر السلع لا يعني القدرة على شرائها.
خلال السنوات الأخيرة، ارتفعت أسعار السلع الأساسية بشكل ملحوظ؛ الخبز غير المدعوم، الأرز، الزيت، اللحوم، الدواجن. ومع كل موجة تضخم، تتآكل القوة الشرائية للرواتب الثابتة. الموظف الذي كان راتبه يكفيه بالكاد، أصبح يحتاج إلى ضعف وربما أضعاف المبلغ ليحافظ على المستوى نفسه من المعيشة.
في الوقت نفسه، يذهب جزء كبير من الموازنة العامة إلى خدمة الدين، أي سداد أقساط وربا القروض. حين تُقدَّم هذه الالتزامات على بنود الإنفاق الإنساني، يضيق المجال المتاح لرعاية شؤون الناس وضمان كفايتهم. هنا لا يكون الجوع نتيجة كارثة طبيعية، بل نتيجة ترتيب أولويات في الإنفاق العام. حين يُخصص مبلغ ضخم لسداد الربا، ويُخفض في المقابل دعم سلعة أساسية، فإن النتيجة المباشرة يتحملها الفقير.
على سبيل المثال الدعم الغذائي رغم كونه لا شيء أمام ما يجب للناس من حقوق، هو وسيلة يزعم أنها لحماية الفئات الأكثر هشاشة من تقلبات السوق. لكن حين تُعاد هيكلته دون رفع موازٍ في الدخول، يتحول العبء مباشرة إلى المستهلك. الأسرة التي كانت تحصل على سلع مدعومة بسعر معين، تجد نفسها مضطرة لشراء جزء منها بسعر السوق. الفارق قد يبدو بسيطاً على الورق، لكنه يتراكم شهرياً ليصنع فجوة حقيقية في ميزانية البيت.
مثال آخر هو الضرائب غير المباشرة، مثل ضريبة القيمة المضافة. هذه الضريبة تُفرض على السلع والخدمات بغض النظر عن مستوى دخل المشتري. بمعنى أن الفقير والغني يدفعان النسبة نفسها عند شراء سلعة. لكن أثرها على الفقير أكبر، لأنه يستهلك معظم دخله في الحاجات الأساسية. وهكذا، تصبح سياسات الجباية عامل ضغط إضافي على من هم أصلاً تحت خط الأمان.
في الإسلام إشباع الحاجات الأساسية - الطعام والكساء والمسكن - واجب على الدولة تجاه رعاياها. ليس من باب التفضل، بل من باب المسؤولية. الحديث النبوي: «الْإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» يضع المسؤولية مباشرة على من بيده القرار. فإذا وُجد في المجتمع من لا يجد ما يسد جوعه، فالمشكلة ليست فردية فقط، بل هي خلل وتقصير في الرعاية.
سابقا، كانت هناك آليات واضحة بينها الشرع لرعاية الناس وكفايتهم وكفالتهم، الزكاة تُجمع وتُصرف في مصارف محددة، وبيت المال يُخصص منه للفقراء، وتُتخذ إجراءات عند حدوث مجاعة أو أزمة. المقصود ليس استنساخ الماضي حرفياً، بل استغلال الوسائل والأساليب المباحة مما استجد من أدوات في تنفيذ الأوامر الشرعية التي توجب رعاية شؤون الناس بحق، وتعتبر أموالهم محرمة لا يجوز نهبها تحت أي مسمى، وتنظر للملك العام على أنه أمانة يجب أن تعاد لأصحابها لرعاية شؤونهم بها.
رمضان يسلط الضوء على هذا المعنى بقوة. الصوم يُشعر الغني بطعم الجوع لساعات، ليوقظ فيه الإحساس بالآخرين. لكن المفارقة المؤلمة أن هناك من يعيش هذا الإحساس طوال العام، لا اختياراً بل اضطراراً. حين تتحول موائد الإفطار إلى مشاهد فخمة على الشاشات، بينما تعجز أسر عن شراء كيلو واحد من اللحم في الشهر، يظهر التفاوت بوضوح.
الجوع ليس أمرا لا مفر منه في بلد غني بالموارد. لكنه قد يصبح واقعاً إذا استمرت السياسات التي تثقل كاهل الأضعف وتمنح الأولوية للأرقام على حساب البشر. وحين تُدار الدولة بروح الرعاية الحقيقية، لا يبقى الجوع مسألة إحصائية، بل يُعامل كجرس إنذار سياسي يستدعي التصحيح الفوري.
وحتى نضمن للناس رعاية حقيقية يجب أن نعيد الضامن الحقيقي لغذائهم وجودته؛ دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة.
المكتب الإعلامي لحزب التحرير
في ولاية مصر



