- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
سلسلة رمضان وبناء الأمة من جديد
الحلقة التاسعة عشرة
المرأة بين وهم التحرر وحقيقة الكرامة رؤية على منهاج النبوة
تُستَخدم المرأة في الخطاب المعاصر كواجهة دعائية متحركة؛ تُرفع صورتها تارةً باسم "التحرر"، وتُستثمر تارةً أخرى باسم "الحماية والتمكين". لكن عند النظر في واقعها الاجتماعي والاقتصادي، يتبين أن القضية أبعد من شعارات براقة. فالمرأة في ظل النظام الرأسمالي يُزجّ بها في سوق العمل باعتبارها أداة إنتاج واستهلاك، وتُستهدف إعلانياً بوصفها مدخلاً لترويج السلع، ويُعاد تعريف دورها وفق احتياجات السوق لا وفق فطرتها ولا وفق مصلحة المجتمع. هذا الاستخدام المزدوج تحرير لفظي واستغلال فعلي يكشف خلل المنظومة لا خلل المرأة.
في الإسلام، تُبحث قضية المرأة من منطلق عقدي وتشريعي واضح: الإسلام عقيدة ونظام شامل، وقد عالج شؤون الإنسان رجلاً كان أو امرأة بأحكام مفصلة منبثقة عن وحي الله، لا عن تجارب بشرية متقلبة. فالمرأة في الإسلام ليست سلعة تُعرض، ولا رقماً في معادلة إنتاج، ولا تابعاً بلا إرادة، بل زوجة وأم وعرض يجب أن يصان وإنسان كامل الأهلية، لها ذمة مالية مستقلة، تملك وتبيع وتشتري، وتُوكّل وتُخاصم، وتُحاسِب الحاكم كما يحاسبه الرجل سواء بسواء.
غير أن النظام الرأسمالي حين فصل الدين عن الحياة، أعاد صياغة العلاقة بين الرجل والمرأة على أساس المنفعة المادية والحرية الفردية المطلقة. فاختلط مفهوم الكرامة بمفهوم الانفلات، وغدا معيار "النجاح" هو القدرة على المنافسة في سوق العمل ولو على حساب استقرار الأسرة، وأُهملت الوظيفة الاجتماعية للأمومة والرعاية باعتبارها "دوراً تقليدياً" لا يواكب العصر. وبهذا تحوّلت المرأة إلى عنصر إنتاج مضاعف: تعمل خارجه وداخله، بينما تتخلى الدولة عن مسؤولياتها في الرعاية بحجة السوق والخصخصة وتقليص الإنفاق.
الإسلام لم يحرّر المرأة بإخراجها من بيتها، ولا بحبسها فيه، بل نظّم علاقتها بالمجتمع تنظيماً يراعي فطرتها ودورها. فأوجب على الرجل النفقة، وجعل القوامة تكليفاً بالمسؤولية لا امتيازاً بالهيمنة، وفرض على الدولة رعاية الشؤون بحيث لا تُترك المرأة أرملة كانت أو مطلقة أو عزباء فريسة للفقر أو الحاجة. الكرامة هنا ليست شعاراً، بل شبكة أحكام متكاملة تضمن لها الأمن المعيشي والاجتماعي.
في الدولة الإسلامية، تُعتبر رعاية الشؤون وظيفة أساسية للحاكم، استناداً إلى قوله ﷺ: «الْإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ». ومن ثم فإن ضمان الحاجات الأساسية من مأكل وملبس ومسكن ليس منّةً ولا برنامجاً انتخابياً، بل واجب شرعي. حين تقوم الدولة بهذا الواجب، لا تُدفع المرأة دفعاً إلى أعمال شاقة بدافع الضرورة الاقتصادية، ولا تُساوَم على كرامتها مقابل راتب. وإن اختارت العمل في مجالات مباحة، فإنها تمارسه بوصفها إنساناً كامل الأهلية، لا أداة لسد عجز النظام.
كما أن الإسلام لم يعزل المرأة عن الحياة العامة؛ فقد شاركت في البيعة على الحكم، وفي إبداء الرأي، وفي نقل العلم والفقه، وكانت نماذج من الصحابيات في مقدمة من وعى الدعوة وحملها. هذا الحضور لم يكن تمرداً على فطرتها، ولا ذوباناً في نموذج ذكوري، بل ممارسة طبيعية لكونها جزءاً من الأمة المكلفة بحمل الإسلام. الفارق أن مشاركتها كانت منضبطة بالأحكام الشرعية، لا خاضعة لمقاييس العرض الإعلامي أو الاستغلال السياسي.
أما في الواقع المعاصر، فغالباً ما يُختزل "تمكين المرأة" في مؤشرات رقمية: نسبة المشاركة في سوق العمل، أو عدد المقاعد في المؤسسات، دون مساءلة عن طبيعة النظام نفسه. فإذا كان النظام قائماً على الربا والاحتكار والتبعية، فإن إدخال المرأة فيه لا يغيّر حقيقته، بل يوسّع دائرة المتضررين منه. ومن هنا ترى ثقافة حزب التحرير أن معالجة قضية المرأة لا تنفصل عن معالجة أصل النظام السياسي والاقتصادي الذي يحكم المجتمع.
رمضان يعيد ترتيب المفاهيم. فهو شهر القرآن الذي أنزل ليقيم العدل، ويضبط العلاقات بأحكام الله. في هذا الشهر تتجدد معاني العفة والتقوى والمسؤولية، وتظهر حقيقة أن الكرامة لا تُنال برفع الشعارات، بل بالالتزام بالشرع. المرأة التي تصوم وتصلي وتقوم الليل، ليست بحاجة إلى خطاب يعلّمها قيمتها؛ قيمتها ثابتة بنصوص الوحي التي جعلتها مكرّمة لكونها إنساناً خلقه الله وكرّمه.
إن ما تعانيه المرأة اليوم من اضطراب في الأدوار، وضغط اقتصادي، وتناقض في الرسائل الثقافية، هو نتيجة مباشرة لغياب النظام الإسلامي الذي يوازن بين الحقوق والواجبات. الحل ليس في استيراد نماذج غربية أثبتت أزماتها الأسرية والاجتماعية، ولا في الانكفاء على عادات تخالف الشرع، بل في العودة إلى الأحكام التفصيلية التي أنزلها الله، وتطبيقها في ظل دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة.
عندها فقط تتحول قضية المرأة من ملف جدلي إلى واقع مستقر؛ تُصان فيه كرامتها ليس لأنها شعار موسمي، بل لأنها حكم شرعي ملزم. فالإسلام لم يجعل كرامة المرأة موضع تفاوض، بل جعلها جزءاً من نظام عدل رباني، لا يتحقق تمامه إلا بتحكيم الشرع في الحياة كلها استئنافاً للحياة الإسلامية في دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة.
المكتب الإعلامي لحزب التحرير
في ولاية مصر



