- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
"ليس العاقل الذي يدفع بين الخير والشّرّ ولكنّ العاقل الذي يختار الخير"
ما هي أسباب ضعف المسلمين اليوم؟ لماذا تُنتهك أعراضُهم وتُغتَصب أرضهم ويُفقّرون ويُجوّعون ولا يَدفعون عن أنفسهم الظّلمَ والذّلَّ والهوانَ؟ لماذا يرقب بعضهم بعضا وهم يموتون جوعا وتقتيلا وتنكيلا من الكفّار المجرمين ولا يحرّكون ساكنا؟ لماذا يشعرون بالعجز والضّعف والتّبعيّة للغرب أمام كلّ المصائب والأهوال التي تحلّ بهم؟
كانت أمّة الإسلام مجتمعة تحت راية دينها، يحكمها خليفة واحد ينفّذ فيها أحكام ربّها، تستجيب له وتطيع أوامره. قال جلّ وعلا في كتابه العزيز ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً﴾ فالأمرُ بالاعتصام بحبل الله جميعاً دعوةٌ للأمّة المسلمة في كلّ زمان ومكان... دعوة دائمةٌ وقائمةٌ ومستمرّةٌ، فعلى المسلمين الالتفاف حول كتاب الله وسنّة نبيّه ﷺ وعليهم أن لا يتفرّقوا لأنّ ذلك هو سبب الفشل والضّعف والهوان ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
هذا ما كان عليه المسلمون في ظلّ دولة الخلافة أقوياء يهابهم الأعداء، لا يتجرّؤون عليهم ويخشون المساس بهم، فهم رعايا الدّولة القويّة التي ذاع صيتها وعرفت بين الأمم، ولا يتوانى خليفتها عن إعداد جيش جرار يحارب به كلّ من تسوّل له نفسه الاعتداء على فرد من رعاياه.
أكّد الله سبحانه وتعالى على ضرورة أن تكون الأمّة الإسلاميّة أمّة واحدة؛ ففي وحدتها قوّتُها وفي التفافها حول دينه وشرعه ديمومتُها وسيادتُها وخيريّتُها. فما المقصود بـ"أمّة" وما معنى أن يكون المسلمون أمّة واحدة؟
يقول سبحانه وتعالى متحدّثا عن سيّدنا إبراهيم عليه الصّلاة والسّلام وأتباعه الذين آمنوا بدين واحد وتوحّدوا على عقيدة واحدة: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فالأمّة بهذا المعنى هي جماعة من النّاس آمنوا بالدّين أو الفكر نفسه وبالتّالي تكون مشاعرهم واحدة فنقول "هذه أمّة رأسماليّة" و"هذه أمّة شيوعيّة" و"هذه أمّة إسلاميّة"، ولا يمكن أن نقول "هذه أمّة عربيّة" أو "أمّة تركيّة"... لأنّها رغم أنّها تخضع لنظام واحد إلّا أنّ أفرادها يختلفون في قناعاتهم وأفكارهم.
يقول السّعدي في تفسيره لآية ﴿وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾: "﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أمَّةً﴾ أي: جماعتكم - يا معشر الرّسل - جماعة ﴿وَاحِدَةً﴾ متّفقة على دين واحد، وربّكم واحد. ﴿فَاتَّقُونِ﴾ بامتثال أوامري، واجتناب زواجري. وقد أمر الله المؤمنين بما أمر به المرسلين، لأنّهم بهم يقتدون، وخلفهم يسلكون، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ فالواجب من كلّ المنتسبين إلى الأنبياء وغيرهم، أن يمتثلوا هذا، ويعملوا به".
فحين نتحدّث عن المسلمين علينا أن نقول الأمّة الإسلاميّة لأنّها جماعة توحّدت على الإسلام فتوحّدت أفكارها ومفاهيمها ومشاعرها وصارت أمّة واحدة؛ صارت خير أمّة أخرجت للنّاس تدعوهم إلى الخير أي إلى الإسلام فتخرجهم من الظّلمات إلى النّور، وتنقذهم من شقاء الدّنيا وعذاب الآخرة. فأمّة الإسلام هي أفضل الأمم التي بعثها الله لتكون أهلا للسّيادة والقيادة، تعمل على إزالة أسباب الفساد من الأرض بالأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر. روى البخاري عن أبي هريرة قال: "﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾، أي خير النّاس للنّاس تأتون بهم في السّلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا الإسلام".
لقد ميّز الله تعالى أمّة الإسلام برابطة قويّة لا تنفصم ألا وهي رابطة العقيدة. هذه الرّابطة التي جعلت منها أمّة قويّة تهابها الأمم وتتميّز عنها بعلاقة الأخوّة التي تسود بين أفرادها وتربط بينهم فيتعاونون ويتكاتفون ويتعاطفون... هم جسد واحد إذا اشتكى عضو منه تداعى له بالسّهر والحمّى. «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ، مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى»، صدق رسول الله ﷺ في وصفه وحديثه عن أمّته.
فرغم ما تعانيه أمّة الإسلام من شتات وتفرقة وضعف وهوان إلّا أنّ تداعي جسدها الواحد لشكوى عضو منه هنا أو هناك يتجلّى في دعاء المسلمين وبكائهم لمصاب إخوتهم في غزّة وسوريا والسّودان وتركستان وكشمير وغيرها من بلاد المسلمين... رغم قلّة حيلتهم عن نصرتهم بسبب تلك الحدود وعمالة حكّامهم الذين يحولون دون هبّة الأمّة وانتفاضتها من أجل فكّ القيود والتّحرّر من الاستعمار.
في حربه ضدّ الإسلام والمسلمين كان الغرب الكافر متيقّنا من خسارته لمعركته العسكريّة ضدّ أمّة الإسلام الواحدة التي تجمعها راية واحدة ودولة واحدة تحكم كلّ بلاد المسلمين فسعى إلى أن يطبّق سياسة "فرّق تسد"، فعمل على إسقاط الدّولة بمعيّة خونة من الأمّة. وحتّى يُحكم خناقه على رقاب المسلمين وحتّى يتمكّن من عدوّه العصيّ قسّم دولة الإسلام الواحدة إلى دويلات متعدّدة ووضع على رأس كلّ واحدة منها عميلا له يحرس الحدود ويثبّت القيود ويعمل على نشر مفاهيمه وثقافته الغربيّة بين المسلمين. وتفنّن هذا العدوّ في استضعاف المسلمين في كلّ مكان ووظّف كلّ أسلحته الماديّة والفكريّة لتفتيت وحدتهم وبثّ فيهم أفكارا مسمومة كـ"القوميّة" و"الوطنيّة" لتأخذ مكان "الأمّة" حتّى يفكّك أوصال هذا الجسد الواحد.
فهذا هو الدّاء الذي حلّ بأمّة الإسلام التي كان الأعداء يهابونها لقوّتها وعزّتها... كانت أمّة متمسّكة بدينها تسير على هدي كتاب ربّها وسنّة نبيّها وتنشر الخير بين النّاس، فأصابها الذّلّ بعد أن حادت عن هذا الهدي واتّبعت الغرب وقوانينه التي فرضها عليها بالحديد والنّار ونشر فيها مفاهيمه المسمومة بعد أن أسقط دولة الإسلام "الحصن الحصين".
فصارت الأمّة ضعيفة مستضعفة منتهكة يعاني أبناؤها الويلات والظّلم والظّلمات. قال تعالى ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فِلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً﴾. ولقد بيّن عمر بن الخطاب الطّريق السويّ للعزّة فقال: "نحن قوم أعزّنا الله بالإسلام فإن ابتغينا العزّة بغيره أذلّنا الله". فأن يكون المسلمون أمّة واحدة تقود العالم وتنشر الخير في النّاس واجب شرعيّ عليهم تنفيذه، فالوحدة ليست خياراً بل هي أمر إلهيّ وقرآنيّ، وتركها مخالفة لأوامر الله ورسوله، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "إنَّ الرَّحِمَ لَتُقْطَعُ، وإنّ النِّعْمَةَ لَتُكْفَرَ، وإنّ الله إذا قَارَبَ بين القلوب لم يُزَحْزِحْهَا شَيْءٌ، ثم قَرَأَ هذه الآيةَ: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جميعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبـِهِمْ ولـٰـكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾". وقد نهى الله المسلمين عن التّفرقة ففيها هلاكهم وضياع أمّتهم ﴿وَلاَ تَنَازَعُوْا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيْحُكُمْ﴾.
فحتّى تحقّق الأمّة الإسلاميّة صفة الخيريّة التي حباها الله بها وتطيع ربّها وتصدقه لا بدّ أن تكون متّحدة تسير على خطا نبيّها ﷺ وصحابته رضوان الله عليهم، في تنفيذ حكم الله في الأرض. عليها أن تكون أمّة واحدة تعبد ربّها الواحد وترفع رايتها الواحدة وتطيع إمامها الواحد الذي يحكمها بشرع الله العادل، وبذلك فقط تستعيد قوّتها وتحقّق نهضتها.
أن يكون المسلمون أمّة واحدة هو ضرورة يفرضها الواقع الذي لم ولن يستقيم إلّا في ظلّ الكيان القويّ الذي مثّل أمّة الإسلام على مرّ العصور: دولة الخلافة التي لم ولن تحلو الحياة إلّا في ظلّها، ففيها فقط تنفّذ أحكام الله العادلة وفيها يعيش أفرادها مطمئنّين أعزّاء.
هكذا كانت أمّة الإسلام وهكذا تركها حبيبها المصطفى عليه الصّلاة والسّلام؛ أمّة قائدة سائدة، ويجب أن تعود كذلك... هي آخر الأمم في الدّنيا وأولى الأمم في دخول الجنّة، قال رسول الله ﷺ «نَحْنُ الْآخِرُونَ الْأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَنَحْنُ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ»، ومنَّ الله عليها بشفاعة الرّسول ﷺ يوم القيامة. عن أبي جمعة قال: تَغَدَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَعَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحَدٌ خَيْرٌ مِنَّا أَسْلَمْنَا مَعَكَ وَجَاهَدْنَا مَعَكَ؟ قَالَ: «نَعَمْ قَوْمٌ يَكُونُونَ مِنْ بَعْدِكُمْ يُؤْمِنُونَ بِي وَلَمْ يَرَوْنِي». يكفي الأمّة الإسلاميّة شرفا أنّها أمّة محمّد ﷺ، أمّة لا إله إلّا الله، أمّة يجب أن تُقدَّر وتُحتَرم وتُوقّر وعليها أن تحرص على تحقيق هذه الصّفات فيها واسترجاعها حتى تعود كما كانت مؤهّلة لقيادة العالم إلى الخير والسّيادة عليه بما أعزّها الله به "دين الإسلام".
فأيّة مكانة هذه التي حظيتِ بها يا أمّةَ الإسلام؟ فكيف تتخلّين عن هذا الشّرف وعن هذه المرتبة الرّفيعة؟
يقول الإمام الشّافعي: "ليس العاقل الذي يدفع بين الخير والشّرّ، ولكنّ العاقل الذي يختار الخير"، ويقصد أنّ الشّخص الحكيم هو الذي يختار الخير من البداية ولا يفرّط فيه، فالتّفريط في الخير يجعله عرضة للضّياع أو النّدم لاحقاً.
وأمّة الإسلام خير أمّة عاقلة مفكّرة متدبّرة في خلق الله، اهتدت إلى ربّها وآمنت به وبكتابه وأحكامه، فكيف تفرّط في هذا الخير الذي أمّنها عليه رسولها لتبلّغه بقيّة الأمم فتنير دربها وتهديها إلى طريق الحقّ وتخرجها من الظّلمات؟
علاوة على هذا كيف سنلقى الله - نحن أبناء هذه الأمّة - وقد عاهدناه على أن لا نعبد سواه وأن لا يحكم الأرض ومن فيها إلّا دينُه وحكمُه ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ﴾؟
يا أمّة الإسلام: لقد شهدنا أنّ اللهَ ربُّنا لا إله إلّا هو وأنّه خالقنا وبارئُنا ومصوّرنا ورازقنا... أحيانا ويُميتُنا وسيُحيينا لنلقاه فنفوز بجنّته التي وعد بها عباده المؤمنين الصّالحين المخلصين. فشهادتنا هذه لا بدّ من أن ننفّذها ونعمل عليها لنصدق الله فيصدقنا وعده.
حال المسلمين اليوم مؤلم ومحزن والطّريق إلى تغييره بيّن وجليّ...
لا بدّ من عودة الأمّة إلى مصدر عزّها ومجدها: كيان سياسيّ يوحّدها ويحكمها بشرع ربّها وينشر أحكامه ويرفع راية دينه فتصدق بذلك خالقها... لا بدّ لها من التّوحّد تحت ظلّ دولة واحدة يحكمها إمام واحد يخشى الله ويصدقه فيعمل على نشر دينه وإعلاء كلمته حتى تكون هي العليا، وكلمة الكافرين هي السّفلى، وحتّى يكون الحكم لله وحده.. لا بدّ للأمّة من دفع أبنائها لكسر الحدود وفكّ القيود والتّحرّر من قبضة الاستعمار.
نسأل الله أن نكون ممّن يعمل لتحقيق هذا العزّ ونسأله سبحانه أن نكون من العاملين لإعادة دولة الخلافة الرّاشدة الثّانية التي ستعيد للأمّة مجدها ومكانتها فتستعيد خيريّتها التي ميّزتها ورفعتها عن باقي الأمم. اللّهمّ وحّد بين أفرادها وأزل عنها كلّ ما يسبّب فرقتها وردّها إلى دينك الذي رضيت ردّاً جميلا.
كتبته لإذاعة المكتب الإعلاميّ المركزيّ لحزب التّحرير
زينة الصّامت



