- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
الانسحاب المزعوم من عين الأسد: تضليلٌ سياسي أم إعادةُ إنتاجٍ للهيمنة؟
ليس من السذاجة السياسية أن نشكك في الرواية الأمريكية حول الانسحاب من قاعدة عين الأسد في العراق، بل إن السذاجة الحقيقية تكمن في التسليم بها دون تمحيص؛ فالسياسة الأمريكية في العراق لم تُبنَ يوماً على الوضوح أو الصراحة، وإنما على إدارة المشهد عبر التضليل الإعلامي، وإعادة التموضع، وتغيير العناوين.
إن الحديث عن انسحاب القوات الأمريكية لا يمكن فصله عن التاريخ القريب؛ إذ سبق لواشنطن أن أعلنت الانسحاب أكثر من مرة، بينما أبقت نفوذها حاضراً بأشكال متعددة، من مستشارين، أو قواعد بديلة، إلى اتفاقيات أمنية، وضغوط سياسية، وأخرى اقتصادية. وعليه، فإن ما يُسوَّق اليوم بوصفه انسحاباً لا يعدو أن يكون مناورةً تكتيكية، هدفها إعادة ترتيب الأوراق، لا إنهاء الوجود.
والأخطر من ذلك أن هذا الخطاب يأتي متزامناً مع تصعيدٍ مدروسٍ لملف الإرهاب؛ ففزّاعة تنظيم الدولة، التي تُستثمر لخدمة مشاريع خارجية، يعاد إحياؤها اليوم عبر الحديث عن هروب أو نقل مقاتلين من سوريا إلى العراق. هذا التهويل لا يهدف إلى حماية العراق، بل إلى ابتزازه أمنياً، وإقناع حكومته بأن الاستغناء عن المظلة الأمريكية ضرب من المقامرة.
وفي هذا الإطار، يبقى الضغط الأمريكي واضحاً: إمّا القبول باتفاقيات أمنية تُكبِّل السيادة العراقية تحت ذريعة "الشراكة الاستراتيجية"، أو ترك البلاد تواجه سيناريو جديداً من الفوضى المفتوحة. وهي معادلة قسرية اعتادت واشنطن فرضها على الدول الضعيفة أو المنقسمة، والعراق - مع الأسف - ما يزال أحد أبرز هذه الساحات.
كذلك لا يمكن قراءة المشهد بمعزل عن التحركات السياسية الداخلية المريبة، وفي مقدمتها طرح أسماء جدلية مثيرة، مثل نوري المالكي، لرئاسة الوزراء في هذا التوقيت الحساس؛ فاستدعاء شخصيات مثقلة بالإخفاقات والانقسامات ليس بريئاً، بل يخدم إعادة إنتاج الاستقطاب الداخلي، وإشعال الشارع بصراعات داخلية، تُسهِّل تمرير المشاريع الخارجية بأقل كلفة ممكنة.
إن ما يجري اليوم ليس مجرد ضغوط عابرة، بل هو جزء من مشروع متكامل يسعى إلى إبقاء العراق دولةً مسلوبة القرار، تُديرها أمريكا تحديداً؛ انسحابات شكلية، تهديدات أمنية مصطنعة، طبقة سياسية مأزومة، وشارع مرهق، كلها عناصر تستخدم لإدامة الهيمنة بأدوات ناعمة، بعد أن فشل الاحتلال الصلب.
لذا فإن الرهان على الوعي الشعبي بات ضرورةً وجودية، لا خياراً فكرياً؛ لأن الدول لا تستباح دفعةً واحدة، بل تنتهك تدريجياً عبر أكاذيب الانسحاب، وابتزاز الأمن، وتدوير الوجوه. وكل هذا، ما لم يُكسَر، سيبقي البلد يدور في حلقة مغلقة، تتغيّر فيها العناوين، ويبقى القرار مُصادَراً.
أيها المسلمون: إن الخلاص لا تصنعه القواعد الأجنبية المفروضة، بل تصنعه الشعوب حين تستعيد وعيها وكرامتها.
أيها المسلمون في العراق: إن تاريخكم المشحون بالنفائس يشهد أنكم لم تكونوا أمةً كُتب عليها الارتهان، بل أنتم ورثة حضارة عظيمة حكمت العالم يوم كانت بغداد عاصمة الرشيد، ويوم كان المعتصم يُسمِع الدنيا صدى القوة والعدل معاً. وإن التحرر يبدأ بكسر وهم العبودية المفروضة، والعودة إلى روح الأسلاف الذين صنعوا المجد، ولم ينكسروا.
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
مؤنس حميد – ولاية العراق



