- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
ساعة يوم القيامة واليقين المنتظر
هل اقترب زوال التيه الرأسمالي؟
في كل عام، يطل علينا علماء الذرة عبر نشرتهم الشهيرة ليضبطوا عقارب "ساعة يوم القيامة" (Doomsday Clock) وفقاً لحسابات التوتر الجيوسياسي بين القوى الكبرى! يلوحون للبشرية بفناء محقق تحت وطأة الأسلحة النووية أو الكوارث المناخية، ويحبس العالم أنفاسه مع كل ثانية تقترب فيها العقارب من منتصف الليل. ولكن، بعيداً عن حسابات الثواني البشرية القلقة، هناك قراءة أخرى لمشهد التوتر العالمي؛ قراءة تنبثق من يقين لا يتزعزع بأن هذا الضجيج ليس مجرد صدفة، بل هو إيذان بنهاية نظام أرهق البشرية بظلمه، وتمهيد لولادة فجر جديد لا يخضع لموازين القوى المادية وحدها.
فبينما يرتجف العالم قلقاً من تحرك تلك العقارب، يوقفنا القرآن الكريم أمام الحقيقة الكبرى التي تتجاوز تقديرات مراكز الأبحاث: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً﴾. إن هذا السؤال البشري المتكرر عن "النهاية" يعكس حالة من الإفلاس القيمي والروحي؛ فالغرب الذي صنع هذه "الساعة" يعيش اليوم رعباً حقيقياً من نتاج يده. إنهم يخشون التكنولوجيا التي طوروها، والأسلحة التي كدسوها، لأنهم يفتقرون إلى المرجعية الأخلاقية التي تضبط القوة. إن المقادير بيد مسبب الأسباب، والساعة الحقيقية لا يملك سرها إلا الله، وما هذه التوترات إلا سنن كونية تجري لحكمة إلهية بالغة لتنبيه الغافلين.
إن التوترات المتصاعدة بين الأقطاب الكبرى ليست مجرد صراعات حدودية أو نزاعات على الموارد الطبيعية، بل هي تعبير صارخ عن أزمة المعنى وفشل النظام الرأسمالي المتوحش. هذا النظام الذي قام على امتصاص دماء الشعوب وتأليه المادة ومركزية المنفعة على حساب القيم، يقف اليوم على حافة الهاوية. وهنا يبرز النداء الإلهي الذي يزلزل القلوب اللاهية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾. إن هذه الزلزلة ليست مجرد حدث فيزيائي مستقبلي، بل هي حقيقة يجب أن تدفعنا لإعادة النظر في ماذا قدمنا، وكيف استعدادنا للقاء رب العالمين في ظل هذا الانهيار الأخلاقي العالمي.
إن النظام الرأسمالي اليوم يعاني من تشققات هيكلية لم تعد تجدي معها الحلول الترقيعيّة؛ فالتضخم العالمي غير المسبوق، وتوحش الديون السيادية التي بلغت أرقاماً فلكية، واتساع الفجوة بين طبقة تملك كل شيء وشعوب لا تملك ثمن قوتها، كلها مؤشرات على أن هذا النموذج قد استنفد مبررات بقائه. إن الحروب المفتعلة في شرق أوروبا وشرق آسيا ليست إلا محاولات يائسة لتصدير الأزمات الداخلية لنظام لم يعد يملك ما يقدمه للبشرية سوى الخوف والتبعية. وإن عقارب الساعة الحقيقية تشير إلى قرب زوال هذا النموذج المتغطرس الذي ظن أصحابه أنهم ملكوا أطراف الأرض، متناسين أن القوة لله جميعاً.
وسط هذا الركام من التهديدات النووية والسباق المحموم نحو التسلح البيولوجي والرقمي، يبرز النور النبوي ليطمئن القلوب الوجلة ويمنحها البوصلة الحقيقية. ففي الوقت الذي تتحدث فيه مراكز الدراسات الغربية عن سيناريوهات الفناء، نتحدث نحن عن يقين البقاء والتمكين لهذا الدين. يقول النبي ﷺ: «لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَلَا يَتْرُكُ اللهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللهُ هَذَا الدِّينَ، بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ». إن هذا الوعد النبوي ليس مجرد تخدير للمشاعر أو استرخاء بانتظار المعجزات، بل هو حتمية تاريخية وسنة من سنن الاستبدال، تتطلب منا سؤالاً محورياً: "أين دوري في هذا الوعد؟ وماذا أعددت لأكون من جنوده؟".
فكلما اشتد ظلام الظلم، وتصادمت القوى الطاغية فيما بينها، كان ذلك إيذاناً بفراغ استراتيجي وقيمي لا يمكن أن يملأه إلا الإسلام بقيمه القائمة على العدل المطلق والرحمة المهداة. إن العالم المتعطش للعدالة، الهارب من جحيم الرأسمالية والمادية، سيبحث حتماً عن مأوى، ولن يجد سوى سعة الإسلام التي تجمع بين عمارة الأرض وسلامة الروح. والواجب المنوط بالسياسيين والمفكرين والشعوب المسلمة اليوم ليس الانزواء ومراقبة عقارب ساعة صنعها البشر بخوفهم، بل العمل الدؤوب لتكون كلمة الله هي العليا، فالتدافع الذي نشهده اليوم بين القوى الكبرى هو تمحيص يسبق التمكين، واختبار حقيقي لإرادة التغيير لدينا.
وعندما تقع الواقعة وتنكشف الحقائق، سيعلم الذين اتخذوا من قوتهم العسكرية وصواريخهم العابرة للقارات إلهاً من دون الله، أن حصونهم كانت أهون من بيت العنكبوت أمام إرادة الله وسننه، ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾. إن الوقت في ميزان الله يختلف عن ثواني علماء الذرة؛ فبين عشية وضحاها قد ينهار نظام عالمي ظن الناس أنه خالد، ليقوم مقامه نظام رباني يعيد للإنسان كرامته التي سحقتها الآلة الرأسمالية.
وختاما: إننا نقف في عام 2026 أمام مشهد مهيب؛ قوى عظمى تتصارع على ثوانٍ متخيلة، وأمة تحمل في صدرها وعداً صادقاً. فبينما يحبس العالم أنفاسه مع كل دقة من دقات ساعة يوم القيامة، نسأل كل ذي لب: أين تجد بوصلتك؟ هل تضع ثقتك في حسابات مراكز الدراسات الدولية القلقة التي تتوقع الفناء، أم في وعد الخالق الذي كتب لنهجه البقاء والظهور؟ إن العقرب الذي يجب أن تلاحقه أبصارنا ليس عقرب الساعة النووية، بل هو عقرب الاستعداد والعمل لاستئناف الحياة الإسلامية.
إن هذا التيه الرأسمالي لن ينتهي بمجرد التمني، بل بالعمل الجاد لإقامة دولة الحق، دولة الخلافة الثانية على منهاج النبوة؛ فهي الوحيدة القادرة على قيادة البشرية من جحيم الصراعات إلى بر الأمان. تذكر دائماً قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾، فالسؤال ليس متى الساعة؟ بل ماذا أعددت لها ولنصرة دينك قبل فوات الأوان؟ بادر لتكون لك بصمة في هذا التحول الكوني العظيم، قبل أن تضع الحرب أوزارها ويتحقق الفتح الموعود.
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
م. أحمد إبراهيم



