- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
حين يُكافَأ المجرم... أيُّ سلامٍ هذا؟!
في مشهدٍ يختصر أزمة السياسة الدولية وانهيار منظومتها الأخلاقية، يطفو على السطح حديثٌ عن ضمّ بنيامين نتنياهو إلى ما يُسمّى بـ(مجلس السلام في غزة) برعاية الولايات المتحدة الأمريكية.
وكأنّ التاريخ تُعاد كتابته على عجل، وكأنّ الدم الفلسطيني لم يُسفك، وكأنّ الجرائم الموثَّقة التي ارتُكبت لم تكن!
أيُّ منطقٍ سياسيٍّ هذا الذي يجعل المتَّهَم بجرائم حرب شريكاً في صناعة سلامٍ مزعوم؟ وبأيِّ عقلٍ يُقبَل أن يتحوّل الجلّاد إلى وسيط، والقاتل إلى ضامنٍ للهدوء؟!
إنّ هذا الطرح لا يمكن فهمه إلا في سياق العنجهية الأمريكية وسياسة الانحياز التي تحكم مواقفها تجاه اليهود، حيث تُقاس الأفعال بميزان المصالح لا بميزان العدالة.
إن إشراك نتنياهو في أيّ مسارٍ يُعنَى بالسلام هو تبرئةٌ أخلاقيةٌ ضمنية لكلّ ما ارتُكب من جرائم في غزة: من قتلٍ ممنهجٍ لأهلها، إلى تدمير المباني، وتحويل القطاع إلى جحيمٍ يومي.
فبأيّ قانونٍ يحدث هذا؟ أم هي شريعة الغاب التي تحكم بها أمريكا العالم؟
وهي كذلك رسالةٌ واضحةٌ مفادها أنّ القوّة العسكرية قادرة على غسل الجرائم، وأنّ من يملك دعم أمريكا يستطيع أن يفعل ما يشاء بلا مساءلة.
والأخطر في هذا المسار أنّه لا يقتل الضحية مرّةً واحدة، بل يقتل الحقيقة مراراً؛ فهو لا يكتفي بتجاهل معاناة الفلسطينيين، بل يُقصيهم من معادلة القرار، ويحوّلهم إلى رقمٍ في تقارير، أو ورقة ضغط في مفاوضاتٍ لا تمثّلهم.
وهكذا يصبح السلام مشروعاً فوقيّاً يُفرض من الخارج، لا نتيجة عدالة، ولا ثمرة اعتراف.
إنّ السلام الذي ينشدونه لا يكون بإعادة تدوير الوجوه المسؤولة عن إشعال الحروب، وما يُروَّج له ليس سوى إدارةٍ أنيقةٍ للظلم تُغلَّف بدبلوماسيةٍ ناعمة.
والأدهى من ذلك كلّه انضمامُ حكّامٍ يحملون جنسية الأخوّة لأهل فلسطين إلى هذا المجلس؛ حكّامٍ خدموا هذا المشروع، فهم شركاء في قتل إخوانهم.
إنّ السلام الذي يولد من رحم الجريمة سلامٌ ميّت، وإنّ تكريم القاتل يؤسّس لجولاتٍ جديدةٍ من الدم.
إنّ الشعوب، مهما طال صمتها، لا تنسى من قتل أبناءها، وما يجري اليوم ليس امتحاناً لفلسطين وحدها، بل امتحانٌ لوعي الأمّة بأكملها.
فحين يُكافَأ المجرم، ويُطلَب من الضحية أن تصمت باسم السلام، ندرك أنّ المشكلة لم تعد في موازين القوّة فقط، بل في غياب من يدافع عن الكرامة ويذود عنها؛ ذلك الإرث الذي سُلب من الوعي قسراً: إرث العدل والقدرة على قول (لا) حين يجب أن تُقال.
لقد فقدت الشعوب الإسلامية كثيراً من عناصر قوّتها، ليس لأنها أقلّ عدداً أو عدّة، بل لأنها انقطعت عن معناها الحضاري؛ ذلك المعنى الذي يجعل من العدل أساس السياسة، ومن الكرامة شرط الاعتراف.
وإنّ استعادة هذا الإرث لا تبدأ من القصور، ولا من بيانات الشجب، بل من إعادة بناء الوعي في الأمّة، حتى تدرك أنّ قوّتها وعزّتها في دولتها ودينها، وأنّ المنعة لا تكون إلا في دولة الإسلام.
وعليها أن تدرك أنّ الكرامة لا تُمنَح بل تُنتَزع، وأنّ من يتنازل عن حقّه في الموقف، سيتنازل لاحقاً عن حقّه في الأرض.
لقد آن الأوان للشعوب الإسلامية أن تستعيد ثقتها بنفسها، وأن تعود إلى موقع الشاهد لا التابع، وصاحب القضيّة لا المتفرّج.
يا شعوب الأمّة الإسلامية، إنّ عزّكم لم يكن يوماً في التبعيّة ولا في تقليد غيركم، بل في عقيدتكم التي صنعت الإنسان قبل السلطان، وبنت الدولة قبل العمران.
وإنّ مكانتكم لا تُستعاد بالشعارات، بل بالعمل الجادّ الصادق من أجل استعادة الإسلام منهجاً للحياة، والعودة إلى دولتكم التي فيها عزّكم، لتعود لكم الهيبة، ويحسب لكم العالم ألف حساب.
والتاريخ يشهد، والواقع ينتظر، والله سبحانه وتعالى وعد: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ﴾.
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
مؤنس حميد – ولاية العراق



