- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
عالم بلا يقين: حين تتقاطع الأزمات وتضيع البوصلة
في زمن تتكاثر فيه العناوين العاجلة وتتزاحم فيه التحليلات المتناقضة وتكون فيه الفتنة كقطع الليل المظلم كما أخبرنا رسول الله ﷺ: «تَكُونُ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ فِتَنٌ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ؛ يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِناً وَيُمْسِي كَافِراً، وَيُمْسِي مُؤْمِناً وَيُصْبِحُ كَافِراً، يَبِيعُ أَقْوَامٌ دِينَهُمْ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا»، اليوم يبدو العالم وكأنه خرج من مدار اليقين إلى فضاء مفتوح على كل الاحتمالات. لم تعد الاضطرابات حدثا استثنائيا يقرأ في سياق أزمة محددة بل تحول إلى حالة عامة تظلل السياسة والاقتصاد والمجتمع والفكر معا. نحن لا نعيش أزمة واحدة بل نعيش زمن تقاطع الأزمات حيث تتشابك الجغرافيا السياسية مع أسواق المال وتنعكس قرارات البنوك المركزية على الاستقرار المجتمعي وتتداخل التحولات الفكرية مع صعود الشعبويات وتراجع الثقة بالمؤسسات.
سياسيا تتآكل قواعد النظام الدولي الذي تشكل بعد الحرب الباردة دون أن تتبلور بدائل واضحة المعالم. أمريكا تفرض نفسها الحامي الأوحد مع محاولاتها تأمين غطاء دولي يناسبها؛ فتحاول إعادة رسم خرائط النفوذ، وتتصاعد الحروب بالوكالة، وتستخدم العقوبات الاقتصادية كسلاح ضغط استراتيجي، بينما تفقد المؤسسات الدولية متعددة الأطراف قدرتها ودعمها المالي فتصبح عديمة التأثير على ضبط الإيقاع العالمي. في هذا المناخ السياسي السائد لم تعد التحالفات ثابتة ولا خصومات دائمة بل أصبحت تحكمها مصالح أمريكا وعلى الجميع الخضوع والطاعة!
اقتصاديا يدخل العالم مرحلة انهيار بنيوي قد أسس أصلا بقواعد بشرية قائمة على المنفعة لفئة خاصة، والمصالح بلا إنسانية، فأصبح التضخم يضغط على الطبقات الوسطى إن وجدت والفقيرة التي أصبحت أكبر الطبقات المجتمعية، وديون سيادية تقيد خيارات الحكومات، وتحولات عميقة في أسواق الطاقة والتكنولوجيا، واضطرابات في سلاسل الإمداد، فلم يعد الاقتصاد مجرد أرقام نمو وانكماش، بل أصبحت هناك رؤى مختلفة حول دور الدولة والسوق، ومع كل أزمة مالية يتعمق السؤال حول عدالة توزيع الثروة واستدامة النمو وحدود العولمة...؟
مجتمعيا يتسع الشعور بالقلق الجماعي، تتراجع الثقة في النخب السياسية والاقتصادية، تتوسع الفجوات بين الأجيال ويزداد الاستقطاب في الفضاء العام. شبكات التواصل الإلكتروني التي وعدت بأنها ستعزز المشاركة والحوار ولدت في كثير من الأحيان منصات تلويث فكري وانحلال أسري وأصبحت أداة لتضخيم الغضب وصناعة الانقسامات، ومع تصاعد ضغط المعيشة الذي هو في ارتفاع متسارع، كل ذلك يهدد الاستقرار المجتمعي الهش أصلا فيتحول المطلب الاقتصادي إلى توترات سياسية وتتغذى الشعبوية على الإحباط العام.
فأصبح العالم يشهد مراجعة عميقة للمسلّمات التي حكمت العقود الماضية الليبرالية الاقتصادية، وتوجه أسئلة صعبة حول العدالة والهوية والسيادة ومفاهيم أخرى مثل العولمة والديمقراطية وحقوق الإنسان لم تعد تناقش كحقائق نهائية بل كتصورات قابلة للنقد وإعادة التشكيل في خضم هذا الحراك الفكري، حيث يبحث الإنسان المعاصر عن معنى في عالم سريع التغير وعن إطار قيمي يضبط إيقاع التحولات المتسارعة.
وهكذا حين تتقاطع الأزمات لا تضيع البوصلة على مستوى الدول فحسب بل على مستوى الأفراد أيضا، فيصبح المستقبل أقل قابلية للتوقع، وتغدو القرارات أكثر صعوبة، ويعاد طرح الأسئلة الكبرى حول طبيعة النظام العالمي وحدود الدول ودور الأسواق ومكانة الإنسان في معادلة القوة والثروة.
إن الحديث عن عالم بلا يقين ليس توصيفا عابرا لحالة اضطراب مؤقت، بل هو محاولة لفهم لحظة تاريخية مفصلية، ومن هنا تنطلق الحاجة إلى تحليل يستكشف جذور عدم اليقين هذا ومآلاته.
في الأزمنة العادية كانت المجتمعات تتحرك وفق إيقاع يمكن التنبؤ به: صعود اقتصادي يعقبه ركود، توتر سياسي يتبعه انفراج، أزمة محلية تحتوى داخل حدودها الجغرافية، أما اليوم فنحن أمام تقاطع مركب بين أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية وبيئية وإعلامية تتفاعل معا كما تتفاعل أمواج عاتية في بحر هائج لا يتحكم به بنو البشر، فلا يعرف متى تبدأ العاصفة وأين تنتهي ومن يستطيع البقاء أو البدء من جديد.
فقدوم الأزمات المتراكبة يتطلب قراءة مركبة تكشف نقاط التقاطع بينها لا مجرد وصف كل أزمة على حدة. وفيما يلي أبرز مسارات التقاطع بعجالة دون استفاضة:
أولا: تقاطع الجغرافيا السياسية والاقتصادية
لم تعد الحروب والنزاعات تدور بالسلاح فقط بل بالعقوبات والطاقة وسلاسل الإمداد وكلفة المعيشة وإغلاق الأسواق وتلاعب بالعملات والأسهم...إلخ، أي أن الاقتصاد تحول إلى أداة صراع والسياسة تصبح رهينة حسابات السوق فتتضاعف آثارها.
ثانيا: تقاطع التضخم والاستقرار المجتمعي
ارتفاع الأسعار ليس مجرد مؤشر اقتصادي، إنه ضغط مباشر على الأسر حول العالم خاصة الطبقة الوسطى والفقيرة، ومع تراجع القوة الشرائية تتصاعد الاحتجاجات ويزداد الاحتقان الشعبي.
ثالثا: تقاطع الديون السيادية والسيادة السياسية
الديون المرتفعة قيدت قرارات الدول وجعلتها تحت ضغط المؤسسات المالية الدولية أو تحت رحمة الدول الكبرى، أي تراجع القرار الوطني، ويتحول الاستقرار المالي إلى استقرار مرتبط بتوازنات سياسية خارجية، فيتقدم القرار الخارجي على حساب القرار الداخلي.
رابعا: تقاطع التكنولوجيا وسوق العمل
التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي يعيدان تشكيل طبقة الوظائف ما يؤدي إلى إلغاء مهن تقليدية ويخلق مهناً أخرى تتطلب مهارة أكثر، فتصبح هناك فجوة كبيرة بين من يملك أدوات العصر ومن هو بعيد عن ذلك، فتنتشر مشاعر التهميش مع زيادة البطالة بشكل لا يطاق.
خامسا: تقاطع التغير المناخي والأمن الغذائي
الظواهر المناخية المتطرفة تؤدي إلى تراجع في إنتاج الزراعة وسلاسل الإمداد الغذائي ما يرفع الأسعار ويهدد الأمن الغذائي، والنتيجة أزمة بيئية تتحول إلى أزمة اقتصادية ثم إلى توتر مجتمعي وربما نزاعات على الموارد.
سادسا: تقاطع الإعلام الرقمي والاستقطاب السياسي
وسائل التواصل الإلكتروني تضخم السرديات المتطرفة وتخلق فقاعات فكرية تعزز الانقسام وتعمل على انتشار التفاهة والكذب وعدم الثقة والانحلال الأخلاقي...إلخ.
سابعا: تقاطع الأزمات النفسية والواقع المعيشي
القلق من المستقبل وفقدان الوظيفة والحروب المتكررة، يؤدي إلى تراجع الثقة ويتنشر ضعف الانخراط السياسي الإيجابي وزيادة النزاعات الفردية والجماعية.
ثامنا: تقاطع غياب الرؤية الاستراتيجية مع سرعة التحولات
سرعة الأحداث تفوق قدرة النخب الحالية على التخطيط بعيد المدى، فتغلب السياسات قصيرة الأجل أو الحلول السريعة، فتحمل صفة الحلول الترقيعية التي تعالج الأعراض دون الجذور.
ففي عالم كهذا لا يكفي إصلاح قطاع دون آخر ولا معالجة أزمة بمعزل عن سابقتها، والمطلوب رؤية شاملة تعترف بطبيعة الترابط وتعيد صياغة الأولويات على أساس المرونة والعدالة والاستدامة، لأن أخطر ما في العالم بلا يقين ليس تعدد الأزمات بل فقدان القدرة على قراءة خيوطها المتشابكة قبل أن تتحول إلى عقدة يصعب حلها.
وهنا يأتي الحل الحقيقي الذي يتمثل بالمبدأ الرباني؛ مبدأ الإسلام، وهو اليوم خارج الرؤية الدولية، لذلك وجب على أهل الإسلام العودة إلى التمسك بعقيدتهم ونفض الغبار عنها وإعادتها إلى ساحتها الأصلية للعمل بها في ظل دولة الخلافة التي بشرنا بها رسول الله ﷺ.
ولو أردنا العمل من اليوم فسوف نواجه أزمة زمن، فلا بد من وضع المشروع الإسلامي موضوع الريادة وبناء نخب لا تنظر إلا من زاوية خاصة هي زاوية الإسلام، ولا تتعامل مع الآخر إلا بواقع نظرة إسلامية مبنية على الحكم الشرعي والعمل بشكل دائم بالقاعدة الشرعية: "الأصل في الأفعال التقيد بالحكم الشرعي".
وأيضا أن تكون هذه النخب نخباً سياسية تستطيع قراءة المشهد وقيادته بأدوات إسلامية، وتفهم معنى رعاية شؤون الرعية، وأن تحمل مفهوم الأمة حملا صحيحا، فلا حدود ولا قرارات خارجية ولا تفرّق بين مسلم دمشق ولا مسلم الهند وأفريقيا ولا بين التابعي الذي يسكن الدولة.
الحمد لله أنه يوجد اليوم من عمل وجهز ما يلزم وهو حزب التحرير الذي أنشأه العلامة الأزهري المجتهد المطلق الشيخ تقي الدين النبهاني رحمه الله، فهو أنشأ هذا الحزب على أن يحمل فكرة الخلافة واستئناف الحياة الإسلامية وعودتها إلى الساحة الدولية، فعمل هو ومن خلفه وجهزوا للأمة كل ما تحتاجه اليوم، وبذلك يوفر لنا عامل الزمن لأن الحزب جاهز بمشروعه ونخبه لقيادة السفينة إلى بر الأمان.
فلذلك ندعو المسلمين في جميع بقاع العالم إلى العمل لإعادة الإسلام ومنهجه إلى الحياة العملية لأن مبدأ الإسلام هو الوحيد الذي يلغي كل ما ذكر سابقا لأن التشريع الرباني يعمل على اليقين وليس عدم اليقين.
فالشريعة أصلا وجدت لتحل كل علاقات البشرية: علاقة الإنسان مع نفسه، وعلاقته مع ربه، وعلاقته مع الآخر، والإسلام يزرع الثقة ليس في نفوس المسلمين فقط بل للبشرية جمعاء، وهو الذي يزرع السكينة والعدل وينشر نور الإسلام في ربوع المعمورة، وقد وعدنا رب العزة أن هذا الدين سينتشر ليعم المعمورة كاملة.
قال رسول الله ﷺ: «ليبلُغَنَّ هذا الأمرُ ما بلغَ اللَّيلُ والنَّهارُ، ولا يترُكُ اللَّهُ بيتَ مَدَرٍ ولا وَبَرٍ إلَّا أدخَله اللَّهُ هذا الدِّينَ، بعِزِّ عزيزٍ أو بذُلِّ ذليلٍ، عِزّاً يُعِزُّ اللَّهُ به الإسلامَ، وذُلّاً يُذِلُّ اللَّهُ به الكُفرَ».
كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
نبيل عبد الكريم



