- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
العلماء والسلطان: بين فريضة المحاسبة وخطر تزييف الوعي
منزلة العلماء في الإسلام ليست رمزية أو تشريفية، بل هي وظيفة شرعية تتصل اتصالاً مباشراً بحفظ الدين ورعاية شؤون الأمة. فالعالم في المفهوم الإسلامي ليس موظفاً دينياً، ولا رجل دين، بل هو حامل لأحكام الشرع، ومبيّن لها، ومحاسِب للحاكم إذا انحرف عنها، ومرشد للأمة إلى الحق. ومن هنا فإن موقع العلماء في أي بلد مسلم يكشف طبيعة النظام القائم فيه، أهو نظام يخضع للشرع فيقبل المحاسبة، أم كيان سياسي يجعل الدين غطاءً لسياساته؟
الأصل في الإسلام أن السيادة للشرع، وأن الحاكم مقيّد بأحكام الله، وأن الأمة مأمورة بمحاسبته. والعلماء هم في مقدمة من يباشر هذه المحاسبة، لأنهم الأقدر على بيان الحكم الشرعي، وعلى كشف المخالفات إن وُجدت. فوظيفتهم ليست تزكية السلطان، بل بيان الحلال والحرام، وإظهار الحق دون خوف أو مجاملة. وقد عرفت الأمة عبر تاريخها علماء ثبتوا في وجه السلطان حين خالف الشرع، ورفضوا أن يكون علمهم أداة تبرير.
غير أن الانحراف الخطير يبدأ حين يُفرَّغ مفهوم العالم من مضمونه الشرعي، ويُحوَّل إلى جزء من بنية النظام السياسي القائم، بحيث يصبح دوره منح الشرعية لقرارات لا تنطلق من أحكام الإسلام أصلاً. في هذه الحالة، لا يكون الخلل في الأفراد فقط، بل في الإطار السياسي الذي يجعل التشريع بيد البشر، ثم يستدعي بعض المنتسبين إلى العلم لإضفاء صبغة دينية على ما تقرره السلطة.
إن المشكلة في واقع المسلمين اليوم ليست مجرد تقصير بعض العلماء، بل غياب الدولة التي تجعل العقيدة أساس دستورها والأحكام فيها. ففي ظل كيانات تقوم على أنظمة وضعية، وتفصل التشريع عن الوحي، يصبح المجال المتاح للعالم محدوداً بإطار قانوني لا يحتكم إلى الإسلام ابتداءً. وعندها يُطلب منه غالباً تكييف النصوص لتنسجم مع واقع مفروض، بدل أن يكون دوره بيان الحكم الشرعي الذي يجب أن يُحتكم إليه.
الفرق جوهري بين عالم يعيش في ظل دولة تطبق الإسلام، فيكون عمله بيان الأحكام ومحاسبة المقصرين في تنفيذها، وبين عالم يعيش في ظل نظام لا يطبق الإسلام، فيُدفع دفعاً ليكون جزءاً من آلة التبرير. في الحالة الأولى، تكون العلاقة بين العالم والسلطان علاقة نصح وبيان ومحاسبة في إطار الشرع؛ وفي الأخرى، تكون علاقة توظيف، يُستدعى فيها النص لتغطية واقع لا يقوم عليه.
ومن أخطر آثار هذا الخلل تشويش وعي الأمة. حين يسمع الناس فتاوى تُجيز ما يعلمون بفطرتهم أنه باطل أو ظلم، أو تُسوّغ سياسات تُبقي التبعية السياسية والاقتصادية، يختلط عليهم الأمر، ويضعف يقينهم بوضوح الشريعة وعدالتها. وهنا لا يضيع حكم جزئي فحسب، بل يتزعزع تصور كامل عن علاقة الإسلام بالحياة.
إن وظيفة العلماء، في الإسلام، هي حفظ المفاهيم من التحريف. فهم الذين يبيّنون أن الحكم بما أنزل الله فرض، وأن وحدة الأمة تحت إمام واحد فريضة، وأن محاسبة الحاكم واجب، وأن الظلم محرم ولو صدر من أعلى سلطة. فإذا سكتوا عن هذه الأصول، أو جعلوها مسائل ثانوية، فإنهم يُسهمون بقصد أو بغير قصد في تكريس واقع مخالف للإسلام.
كما أن العالم لا يُقاس قربه من الحق بقربه من دوائر الحكم، بل بمدى التزامه بالدليل الشرعي. فالميزان في الإسلام ليس رضا السلطان، بل موافقة الكتاب والسنة. وقد كان علماء الأمة في عصور القوة يتمتعون بمكانة نابعة من عدالتهم في بيان الحكم، وكونهم لا يخشون في الله لومة ﻻئم، وليس من اندماجهم في جهاز الدولة.
ومع ذلك، لا ينبغي أن يُفهم الأمر على أنه دعوة إلى صدام شخصي، بل إلى ضبط العلاقة بضوابط الشرع. فالعالم مأمور بالنصيحة، وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبالصبر على الأذى في سبيل بيان الحق. والأمة مأمورة بتمييز العلماء الربانيين الذين يصدعون بالحق، من أولئك الذين يكيفون الحق ليرضي الواقع.
إن النهضة الحقيقية للأمة لا تكون بكثرة الخطب، ولا بوجود وتعدد المؤسسات الدينية، بل بعودة العلاقة الصحيحة بين العلم والحكم بأن يكون الإسلام بعقيدته وأحكامه هو الأصل الذي يُحتكم إليه، وأن يكون العلماء حراساً لهذا الأصل، لا شهود زور عليه. وحين تقوم دولة تجعل السيادة للشرع فعلاً، يصبح دور العلماء طبيعياً في بيان الأحكام وتوجيه الأمة، بعيداً عن ضغوط التكييف والتبرير.
إن العلماء إما أن يكونوا صمّام أمان يحفظ وعي الأمة ويضبط مسارها وفق الإسلام، وإما أن يتحولوا، إن اندمجوا في نظام لا يحكم بالإسلام، إلى عنصر تشويش يُضعف ثقة الناس بدينهم. وبين هذين الطريقين يتحدد أثرهم في التاريخ. والأمة اليوم أحوج ما تكون إلى علم يُبيّن الحكم كما هو، ويعيد ربط السياسة بالوحي، ويؤكد أن الإسلام ليس وعظاً معزولاً، بل نمط عيش ونظام حياة كامل لا تستقيم حياة الأمة إلا به.
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
سعيد فضل
عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر



