- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
سلسلة رمضان وبناء الأمة من جديد
الحلقة الثانية عشرة
فلسطين تكشف عار الأنظمة
حين ننظر إلى ما يجري في فلسطين، وخصوصاً في غزة، يسهل على البعض أن يقول: "الأمة عاجزة". لكن هذا الوصف ليس دقيقاً. الذي انكشف في هذه الأحداث ليس عجز الأمة، بل عجز الأنظمة. هناك فرق كبير بين شعبٍ يشعر ويتألم ويتحرك، وبين نظامٍ يملك القرار لكنه لا يستخدمه.
الأمة حيّة. نراها في الشوارع حين تخرج بالملايين، في الدعاء في المساجد، في حملات التبرع، في الكلمات التي تكتبها بصدق وغضب. نراها في الأم التي تبكي على أطفال غزة وكأنهم أبناؤها، وفي الشاب الذي يشعر أن القضية قضيته هو. هذا ليس سلوك أمة ميتة، بل سلوك أمة تشعر بوحدة الألم والمصير.
لكن في المقابل، القرار السياسي في بلاد المسلمين يبدو مكبّلاً. الحدود مغلقة، الجيوش في مواقعها، التصريحات محسوبة، والخطاب يدور غالباً حول "التهدئة، والقلق، والمساعدات الإنسانية". هنا يظهر التناقض: الشارع يغلي، والأنظمة تحسب حسابات أخرى.
حين تقع كارثة طبيعية في دولة ما، تتحرك الدول فوراً لإرسال فرق إنقاذ ومساعدات، وتُفتح الأجواء والمطارات بلا تردد. أما في غزة، وهي جزء من أمة واحدة في العقيدة والهوية، فإن إدخال المساعدات يصبح ملفاً معقداً، مرتبطاً باتفاقيات وضغوط دولية وحسابات سياسية. هذا الفرق يوضح أن المشكلة ليست في القدرة، بل في طبيعة القرار.
غزة اليوم ليست فقط مأساة إنسانية تُعرض أرقام ضحاياها في نشرات الأخبار، بل هي امتحان أخلاقي وسياسي. حين يُقتل الأطفال وتُدمّر البيوت ويُحاصر الناس، فإن السؤال لا يكون: هل نشعر بالحزن؟ بل: ماذا نفعل؟ الشعور وحده لا يغيّر الواقع إذا لم يتحول إلى موقف.
البعض يقول ماذا بيد الأنظمة أن تفعل؟ لكن هذا السؤال يحتاج إلى مراجعة. الدول تملك جيوشاً يجب تحريكها، وتملك أوراقاً سياسية واقتصادية، وتملك القدرة على الضغط والمقاطعة وقطع العلاقات. في عالم المصالح، لا يتحرك أحد إلا إذا شعر أن هناك كلفة حقيقية. أما إذا كان أقصى ما يواجهه هو بيانات استنكار، فلن يتغير شيء.
رمضان يضيف بُعداً آخر لهذه القضية. هو شهر يرتبط في الذاكرة الإسلامية ببدر وفتح مكة. في بدر، لم يكن المسلمون يملكون تفوقاً عسكرياً، لكنهم كانوا يملكون وضوحاً في الهدف. لم يقفوا يتفرجون على ظلمٍ واقع عليهم، بل واجهوه ضمن ما يملكون من قدرة. الفكرة هنا ليست في مقارنة ظرف بظرف، بل في استحضار المعنى: نصرة المظلوم ليست مسألة عاطفية، بل واجب ومسؤولية، خاصة إذا كان هذا المظلوم أخا في العقيدة له يعيش على أرض محتلة يجب تحريرها فورا وقطعا.
حين نقول إن نصرة المظلوم فرض، فنحن لا نتحدث عن شعار، بل عن مبدأ ثابت في الشريعة. النبي ﷺ قال: «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِماً أَوْ مَظْلُوماً». وحين سُئل كيف ينصره ظالماً، قال: «تَأْخُذُ عَلَى يَدَيْهِ». أي أن النصرة ليست مجرد تعاطف، بل تدخل لإزالة الظلم أو منعه.
لو كان الحكم بالإسلام حاضراً بمعناه الكامل، لما بقيت فلسطين قضية تفاوض طويل بلا أفق. لأن وحدة الأمة في الإسلام ليست عاطفة، بل نظام سياسي يجمعها تحت قيادة واحدة. في هذا الإطار، لا تكون غزة "قضية خارجية"، بل جزءاً من كيان واحد يتألم كله إذا اشتكى منه عضو، لهذا لم تكن فلسطين لتبقى يوما واحدا تحت سيطرة يهود لو كان للإسلام دولة وللمسلمين خليفة، ففلسطين فتحها خليفة، وحررت من الصليبيين في ظل الخلافة ولم يستطع اليهود اغتصابها إلا في غياب الخلافة وبعد هدمها.
حين استنجدت امرأة مسلمة في عمورية بالمعتصم، تحرك جيش كامل. المعنى الذي استقر في الوعي الإسلامي واضح: كرامة المسلم ليست أمراً هامشياً. هذا الفهم كان مرتبطاً بوجود دولة ترى نفسها مسؤولة عن حماية كل من ينتسب إليها.
اليوم، التقسيم السياسي جعل كل دولة يحكمها عميل للغرب وتنظر إلى فلسطين من زاوية مصالحه لا مصالح الأمة وﻻ حتى تلك النظرة الوطنية الضيقة. وهكذا لا مجال لأي اعتبارات شرعية.
ومع ذلك، تبقى الأمة حيّة. في كل مرة تُغلق فيها الحدود، نجد القلوب مفتوحة. في كل مرة تُحاصر فيها غزة، نجد التضامن يتجدد. هذا يعني أن جذوة الانتماء لم تنطفئ، لكنها بحاجة إلى إطار سياسي يترجمها إلى فعل.
رمضان فرصة لمراجعة هذا الواقع. ليس فقط بالدعاء والبكاء، بل بالتفكير العميق: لماذا يتكرر المشهد؟ لماذا تبقى المآسي دون تغيير جذري؟ هل المشكلة في قلة الموارد، أم في طبيعة النظام السياسي الذي يحكم علاقات الدول ويحدد سقف حركتها؟
إذا كان ترك نصرة المظلوم إثماً جماعياً، فإن الخروج من هذا الإثم يبدأ بالوعي. وعي بأن القضية ليست إنسانية فقط، بل سياسية. وأن وحدة الشعور يجب أن تتحول يوماً ما إلى وحدة دولة ووحدة قرار. حينها فقط لن تكون فلسطين بنداً في نشرات الأخبار، بل أولوية عملية.
غزة كشفت الفجوة بين أمة تشعر، وأنظمة عميلة تحسب. كشفت أن المشكلة ليست في عدد المسلمين، ولا في مواردهم، بل في شكل العلاقة بينهم. وهذا الإدراك، مهما كان مؤلماً، هو الخطوة الأولى نحو التغيير. لأن الاعتراف بحقيقة الداء هو بداية البحث عن الدواء.
ودواء الأمة الذين يعيد لها حيويتها ويحقق ارتباطها من جديد ويحرر أرض الإسلام المغتصبة وعلى رأسها فلسطين، هو دولة الإسلام الخلافة الراشدة على منهاج النبوة.
المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر



