- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
سلسلة رمضان وبناء الأمة من جديد
الحلقة الخامسة عشرة
منتصف الطريق... إما عودة إلى منهج الإسلام أو استمرار في دوامة الأزمات
في منتصف الطريق لا بد من وقفة صريحة تُحسم فيها المفاهيم، لا مجرد مراجعة عاطفية للواقع. ما تعيشه الأمة اليوم سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، ليس نتيجة خطأ عابر أو قرار فردي، بل ثمرة نظام حكم قائم على غير أساس الإسلام. منظومة تشريعية وسياسية واقتصادية منبثقة من الفكر الرأسمالي، تُدير الأزمات بدل أن تعالج جذورها، وتؤجل الانفجار بدل أن تُنهي سببه.
المسألة ليست سوء إدارة فحسب، بل غياب المرجعية الصحيحة. حين تُعزل الشريعة عن الحكم، وتُستبدل بها القوانين الوضعية، يصبح التخبط أمراً طبيعياً، لأن الأساس نفسه مختل. فالسيادة ليست للشرع، بل لمجالس تشريعية أو مواثيق دولية أو إملاءات مؤسسات مالية، فتتحول الدولة من راعٍ يلتزم بأحكام الله إلى جهاز إداري يسعى إلى البقاء السياسي ولو على حساب الأمة.
حين تتكرر الأزمات الاقتصادية، ويتحول الاقتراض الربوي إلى سياسة دائمة، لا يكون السؤال: من أخطأ؟ بل: لماذا يُصرّ النظام على العمل ضمن إطار ربوي أصلاً؟ الربا في الإسلام محرّم تحريماً قطعياً، قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾. ومع ذلك تُبنى الموازنات على الديون، وتُربط السياسات بشروط المقرضين. هذا ليس خللاً فنياً، بل نتيجة طبيعية لاقتصاد لا يستند إلى أحكام الإسلام، بل إلى قواعد السوق الرأسمالية.
وفي السياسة كذلك، حين تُربط القرارات الكبرى بحسابات التوازن الدولي، أو بالخضوع لاتفاقيات تُقيّد الإرادة، فإن المشكلة ليست في ضعف الموقف فقط، بل في أن الأساس ليس العقيدة وليس الكتاب والسنة، بل النظام الدولي. بينما في دولة الإسلام، العلاقة واضحة: السيادة للشرع، والقرار يُبنى على حكم الله، وليس على رضا القوى الكبرى.
الإسلام جعل المسؤولية محددة المعالم. قال رسول الله ﷺ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ». الحاكم راعٍ، نعم، لكنه ليس صاحب سيادة، بل منفذ لأحكام الشرع. فإن حكم بغير ما أنزل الله، سقطت عنه شرعية الطاعة. لذلك قال أبو بكر رضي الله عنه: "أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم". العلاقة ليست علاقة تفويض مطلق، بل التزام مشروط بالشرع.
المحاسبة في الإسلام ليست خياراً سياسياً، بل فرض كفاية على الأمة، وجزء من صيانة الحكم ومنع الانحراف. لذلك كان الصحابة يحاسبون الخلفاء علناً دون أن يُتهموا بالخروج أو التمرد؛ لأن الدولة يومها كانت قائمة على أساس واضح: الحاكم يُحاسب لأنه مكلّف بتنفيذ الشرع، لا لأنه صاحب سلطة مطلقة.
اليوم تغيّرت الصورة؛ فحين تغيب المحاسبة الحقيقية، وتُختزل المشاركة في متابعات إعلامية أو تعليقات عابرة، تستقر السياسات الخاطئة وتتحول إلى واقع دائم. الصمت لا يكون حياداً، بل مشاركة غير مباشرة في تثبيت المنظومة. والقبول بالأمر الواقع تحت شعار "لا بديل" هو في الحقيقة قبول باستمرار المسار ذاته.
رمضان يعيد طرح السؤال الجوهري: هل الإسلام عبادة فردية فقط، أم نظام حياة شامل؟ الصيام يربي الإرادة، لكن الإرادة لا تُختبر في الجوع وحده، بل في الموقف من الظلم والانحراف. والقيام يزكي النفس، لكنه لا يعفيها من واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. هذا الشهر ليس موسم انعزال عن الشأن العام، بل محطة مراجعة للعلاقة بين العقيدة والواقع.
أهل القوة من جيش وأصحاب تأثير ونخب فاعلة يتحملون مسؤولية أعظم، لأن القدرة مناط التكليف. ومن يملك التأثير لا يُساوى بمن لا يملكه. فإن استُعملت القوة لحماية نظام يخالف الشرع، كانت شراكة في الإثم، وإن استُعملت لنصرة الحق وإقامة حكم الإسلام، كانت طاعة لله.
لكن كذلك الفرد العادي ليس خارج المعادلة. فالأمة ليست جمهوراً سلبياً، بل صاحبة سلطان، تملك إعطاء البيعة وسحبها، وتملك محاسبة الحاكم، وتملك العمل لإقامة الدولة التي تطبق الإسلام كاملاً. التغيير لا يكون بترقيع النظام القائم، بل بإقامة نظام منبثق من العقيدة، تُطبق فيه الأحكام كافة، من الاقتصاد إلى السياسة إلى القضاء...
الوقفة الصادقة في منتصف الطريق تعني أن نُقرّ بأن المشكلة ليست في التفاصيل، بل في الأساس. وأن الحل ليس في تعديل جزئي داخل المنظومة، بل في استئناف الحياة الإسلامية بإقامة دولة تطبق الشريعة تطبيقاً شاملاً، وتنهي عقود التبعية للنظام الدولي، وتُنهي الاقتصاد الربوي، وتعيد للأمة سلطانها.
الطريق ليس قصيراً، لكنه واضح المعالم. يبدأ بوعي فكري وسياسي، ثم عمل منظم لإيجاد رأي عام منبثق من الإسلام، حتى تُقام الدولة على أساسه. أما البقاء في منطقة الرماد لا نحن في نظام إسلامي ولا نحن خارج أزماته فلن ينتج إلا مزيداً من الدوران في الحلقة نفسها.
إما عودة صريحة إلى منهج الإسلام في الحكم، أو استمرار في دوامة الأزمات. والاختيار في النهاية مسؤولية تُسأل عنها الأمة كما يُسأل عنها الحاكم، يوم لا ينفع تبرير ولا تأجيل.
المكتب الإعلامي لحزب التحرير
في ولاية مصر



