الثلاثاء، 21 رمضان 1447هـ| 2026/03/10م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

سلسلة مواقف مضيئة في تاريخ الإسلام

الحلقة الخامسة عشرة

صلح الحديبية... الدولة بين الثبات على الحكم الشرعي وإدارة الصراع

 

 

صلح الحديبية ليس مجرد حادثة في السيرة، ولا موقفاً عاطفياً بين قبول ورفض، بل هو نموذج عملي لكيفية إدارة الدولة الإسلامية للصراع وفق أحكام الشرع، بعيداً عن منطق الانفعال أو حسابات الربح والخسارة المجردة. إنه درس في التفريق بين ثبات الفكرة ومرونة الأسلوب، وبين التنازل عن الحكم الشرعي وبين ترتيب الوسائل لتحقيقه.

 

خرج رسول الله ﷺ وأصحابه للعمرة، ولم يخرجوا لقتال. كان الهدف واضحاً: ممارسة حقهم في زيارة البيت الحرام، في سياق تثبيت كيان الدولة في المدينة بعد ست سنوات من الصراع مع قريش، لكن قريشاً منعتهم. هنا كان يمكن أن يُدفع المشهد إلى مواجهة عسكرية تُشبع الشعور اللحظي، غير أن القيادة النبوية لم تكن تُدار بالعاطفة، بل بالحكم الشرعي والنظر في مآلات الأفعال.

 

حين تم توقيع الصلح، ظهرت بنود بدت ثقيلة على بعض الصحابة: الرجوع دون عمرة ذلك العام، إعادة من يأتي مسلماً من قريش، وكتابة "محمد بن عبد الله" بدل "رسول الله". هذه البنود أثارت تساؤلات مشروعة، حتى قال عمر رضي الله عنه: ألسنا على الحق؟ فلمَ نعطي الدنية في ديننا؟ فجاء الحسم بوحي الله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً.

 

الحديبية لم تكن تنازلاً عن حكم، بل التزاماً بالحكم. فالصلح في ذاته حكم شرعي جائز إذا اقتضته المصلحة المعتبرة، ما دام لا يتضمن إقراراً بشرعية الكفر ولا تنازلاً عن أصل من أصول الدين. لم يعترف رسول الله ﷺ بسيادة قريش على المسلمين، ولم يُقرّ بشرعية شركهم، ولم يتنازل عن دعوته، بل أدار صراعاً مرحلياً ضمن قواعد ثابتة.

 

هنا يتجلى مفهوم الدولة في الإسلام: ليست دولة ردّات فعل، ولا سلطة تبحث عن مكاسب آنية، بل كيان يحمل رسالة ويعمل لإيصالها. الاعتراف الضمني من قريش بكيان المسلمين من خلال التفاوض معهم كان تحوّلاً سياسياً مهماً؛ إذ انتقل المسلمون من وضع المطاردة إلى وضع الندية السياسية. هذا التحول لم يكن شعاراً، بل نتيجة ثبات طويل على المبدأ.

 

ثم إن الهدنة أوقفت الاستنزاف العسكري، وفتحت المجال أمام الدعوة لتنتشر في بيئة أقل توتراً. فخلال العامين التاليين تضاعف عدد الداخلين في الإسلام، وكان من ثمار ذلك فتح مكة نفسه. وهكذا تحوّل الصلح، الذي ظنه البعض تراجعاً، إلى جسر استراتيجي نحو الحسم.

 

الحديبية تؤكد أن السياسة في الإسلام ليست براغماتية منفلتة، وليست مثالية حالمة، بل هي التزام بالحكم الشرعي مع وعي بالواقع. الفرق بين المرونة المشروعة والتفريط المحرم هو ثبات الأصول. فإذا مُسّ أصل من أصول العقيدة أو شريعة من شرائع الإسلام باسم "المرحلة"، فهذا ليس من الحديبية، بل من الانحراف عن منهج الإسلام.

 

عند إسقاط هذا النموذج على الواقع المعاصر، يظهر الفارق بوضوح. كثير من الأنظمة اليوم تُبرر اتفاقياتها وتحالفاتها بأنها "واقعية سياسية"، لكنها في جوهرها تقرّ بشرعية أنظمة وقوانين مناقضة للإسلام، وتربط مصير الأمة بقوى دولية تُعادي عقيدتها. هذا لا علاقة له بما تم في الحديبية؛ لأن الحديبية لم تُنتج تبعية، ولم تُبدل مرجعية الحكم، ولم تُدخل المسلمين في منظومة فكرية مغايرة.

 

الدرس المركزي أن الدولة الإسلامية حين تقوم، فإنها تدير علاقاتها الدولية من منطلق سيادتها الفكرية والتشريعية، أي سيادة الشرع، لا من منطلق البحث عن رضا القوى الكبرى. الصلح في الإسلام أداة من أدوات الصراع، لا بديلاً عنه. هو مرحلة ضمن مسار، لا غاية في ذاته.

 

كذلك تُبرز الحديبية أهمية طاعة القيادة في إطار الشرع. تردد بعض الصحابة في بادئ الأمر كان بدافع الغيرة على الدين، لكنهم امتثلوا حين تبين لهم الحكم. فاستقرت الجماعة، وانضبطت الحركة، وتحققت الثمرة. أما مخالفة القائد في موطن يحتاج إلى انضباط، فقد بيّنت أحداث أخرى في السيرة آثارها السلبية. من هنا، فإن بناء كيان سياسي مبدئي يحتاج إلى وحدة قرار منضبطة بالأحكام، لا إلى تعدد اجتهادات في موطن الحسم.

 

إن قراءة الحديبية قراءة سطحية تحصرها في "انتصار الدبلوماسية" تُفرغها من مضمونها. وقراءتها قراءة عاطفية ترى فيها "تنازلاً" تُخطئ فهم طبيعتها. القراءة المنضبطة تجعلها مثالاً على كيفية الجمع بين الثبات والمرونة، بين الرسالة والواقع، بين الحكم الشرعي وحسن التقدير السياسي.

 

لقد عاد المسلمون يوم الحديبية دون عمرة، لكنهم عادوا بأفق أوسع، وباعتراف سياسي، وبفرصة تاريخية لنشر دعوتهم. وبعد أقل من عامين دخلوا مكة فاتحين. لم يكن الفتح صدفة، بل نتيجة مسار مدروس، بدأ بثبات الفكرة، واستمر بإدارة واعية للصراع.

 

وهكذا تبقى الحديبية درساً للأمة: أن مشروعها لا يُبنى بالاندفاع، ولا يُحفظ بالمساومة على أصوله ومن ثم التنازل عنها، بل يُقام بالالتزام الصارم بأحكام الإسلام، وبالعمل السياسي الواعي الذي يدرك موازين القوى دون أن يخضع لها. بين الانفعال اللحظي وأفق التاريخ، اختار رسول الله ﷺ أفق الرسالة... فكان الفتح المبين.

 

 

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية مصر

 

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع