الجمعة، 24 رمضان 1447هـ| 2026/03/13م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

سلسلة مواقف مضيئة في تاريخ الإسلام

الحلقة التاسعة عشرة

غزوة تبوك: كيف تبني الدولة الإسلامية حضورها الدولي قبل أن يُفرض عليها الخطر؟

 

غزوة تبوك درس سياسي عميق حول مفهوم الدولة القوية، وكيفية حماية الأمة قبل أن تفرض عليها الأحداث ضغوطها القاسية. في السنة التاسعة للهجرة، وبينما كانت الدولة الإسلامية لا تزال ناشئة، لم تنتظر الدعوة إلى الحرب أو غزوة مفاجئة من الإمبراطوريات الكبرى، بل خرجت إلى الخارج، نحو شمال الجزيرة العربية، لتواجه الإمبراطورية الرومانية المباشرة على حدودها. هذه الخطوة تعكس بوضوح رؤية استراتيجية: القوة الحقيقية ليست في الدفاع عن النفس فقط، بل في المبادرة، وإظهار الحضور، وفرض الاحترام على الخصوم قبل أن يصبحوا تهديداً واقعياً.

 

أول درس يمكن استخلاصه هو الانتباه المبكر للخطر. الدولة الإسلامية لم تنتظر أن يحاصرها الروم أو يهاجموها، بل تحركت قبل أن تصلها الأزمة. هذا الانتباه ليس مجرد حذر شخصي، بل إدراك لطبيعة القوة: الدولة التي تنكفئ على نفسها وتغلق أبوابها أمام العالم لن تُمنع من الحصار أو الضغط الدولي، بل ستصبح هدفاً سهلاً للاستغلال والابتزاز.

 

الدرس الثاني هو إظهار القوة قبل مواجهتها. تبوك كانت أكثر من مجرد تحرك عسكري؛ كانت رسالة سياسية صريحة لكل قوى الإقليم: هذه الدولة الجديدة ليست ضعيفة، ولديها القدرة على التحرك بعيداً عن مركزها، ولديها القدرة على حماية مصالحها ومصالح شعوبها. قوة الدولة الإسلامية لم تُقس فقط بعدد الجنود أو حجم الجيش، بل بقدرتها على إدارة السياسة الدولية وفق مصالح الأمة. وكان النبي ﷺ يعلّم أن الحضور الدولي المبكر والمبادرة الاستراتيجية جزء من الدفاع الحقيقي عن الأمة.

 

الدرس الثالث هو ضرورة الحضور الدولي. الدولة التي تنكفئ على نفسها وتكتفي بحماية حدودها الداخلية فقط تُحاصر تدريجياً. غزوة تبوك مثال واضح على أن الحضور السياسي والعسكري على مستوى عالمي ليس ترفاً، بل ضرورة للبقاء. القوة لا تُكتسب فقط بالأسلحة، بل بالقرار السياسي الحر، والسيطرة على الأرض، وبناء تحالفات قوية تفرض احترام الدولة على الجميع. في واقع اليوم، يمكن ملاحظة كيف أن الدول التي تفتقد القدرة على اتخاذ قرارات مستقلة تتعرض للابتزاز السياسي والاقتصادي، بينما الدول القوية تُحافظ على مصالح شعوبها عبر حضورها الفاعل في الساحة الدولية، مثلما فعلت الدولة الإسلامية في تبوك.

 

الدرس الرابع هو التخطيط الاستراتيجي والالتزام بالقوة السياسية. غزوة تبوك لم تكن عشوائية، ولم يكن الهدف مجرد المواجهة العسكرية، بل بناء صورة الدولة القادرة على الحسم قبل أن يُفرض عليها الحسم. كل خطوة كانت محسوبة، من تحريك الجيش إلى إدارة الموارد، إلى التعامل مع القبائل المحيطة، بما يحقق الهدف الاستراتيجي؛ تثبيت الأمن، وإظهار قدرة الدولة على الحضور والهيمنة السياسية المعقولة. هذا درس مهم جداً للأمة اليوم: الدولة الإسلامية ليست مجرد كيانات على خريطة، بل هي مشروع حياة متكامل يعتمد على سيادة الشرع وسلطان الأمة، وحماية الموارد، وإدارة القوة قبل أن تتحول الأحداث إلى أزمات غير قابلة للتحكم.

 

قراءة غزوة تبوك اليوم لا يجب أن تُحصر في البُعد العسكري أو التاريخي، بل في البُعد السياسي والاقتصادي والأمني. إنها إعلان عالمي بأن الأمة التي تمتلك قيادة رشيدة قادرة على المبادرة، هي الأمة التي تحمي سيادتها وكرامتها، وتفرض وجودها على الجميع قبل أن يُفرض عليها الخطر. الدروس واضحة: الانتباه المبكر، إدارة القوة، الحضور الدولي، والتخطيط الاستراتيجي، كل ذلك جزء من بناء دولة قوية تحمي الأمة وتضمن استقلالها.

 

غزوة تبوك ليست مجرد ذكرى تاريخية، بل نموذج عملي لكل أمة تبحث عن السيادة والانعتاق من الهيمنة الغربية: دولة مبادرة، حاضرة، عاقلة في قراراتها، لا تنتظر الأحداث لتفرض عليها، بل تفرض هي السيادة قبل أن يُفرض عليها الخضوع، وتبني مشروع حياة شاملاً لأمتها، يقوم على شرع الله وحماية الحقوق وتحقيق العدل على كل المستويات.

 

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية مصر

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع