- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
من يملك المشروع القادر على ملء الفراغ عندما يبدأ النظام القديم بالتآكل؟
لم يعد العالم اليوم يشبه ذلك المكان الذي كانت الأزمات فيه تعتبر حالة استثنائية، فاليوم تبدو الفوضى وكأنها الحالة الطبيعية الوحيدة التي يعيشها الإنسان فنجد حرباً تشتعل هنا وأزمة اقتصادية هناك وتضخماً وخوفاً وإعلاماً يضج بالتحليل السياسي والاقتصادي وشعوباً تائهة وكأنها تحاول النجاة من شيء لا تراه بوضوح.
إن من يتابع الأحداث السياسية يجد أننا في مرحلة يعاد فيها تشكيل العالم من خلال إدارة الأزمات لا حلها في ظل حالة من الخوف والتوتر المستمر.
في الماضي كان الهدف من الحروب تحقيق نصر واضح وكانت الأزمات تنتهي بتغيرات واضحة، أما اليوم فلا شيء ينتهي، فالحروب تبقى مستمرة دون هدف معلن، والاقتصاد يعيش على حافة الانهيار دون أن يسقط بشكل كلي، والأزمات السياسية يتم خلقها وتجديدها من مكان لآخر حتى أصبح الإنسان يعيش في حالة استنزاف نفسي مستمر بهدف إبقائه داخل فقاعة من الأزمات يدور في فلكها.
إن التاريخ شهد حروبا كبرى لم يكن هدفها الانتصار العسكري بقدر ما كان الهدف الأساسي هو إعادة تشكيل العالم نفسه؛ فبعد الحرب العالمية الأولى سقطت إمبراطوريات كاملة، وأعيد رسم الخرائط السياسية، وظهرت اتفاقيات مثل اتفاقية سايكس بيكو التي قسمت البلاد الإسلامية وفق مصالح القوى الكبرى، ثم جاءت الحرب العالمية الثانية لتؤسس نظاما عالميا جديدا بالكامل، فظهرت بعدها الأمم المتحدة وصعدت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي كقوتين مهيمنتين، ودخل العالم مرحلة الحرب الباردة التي أعادت تشكيل السياسة والاقتصاد والتحالفات لعقود طويلة، حتى الأزمات الاقتصادية الكبرى لعبت الدور ذاته؛ فبعد الكساد الكبير تغير شكل الاقتصاد العالمي وازدادت سيطرة الدول الكبرى على الأسواق والنظم المالية وتبدلت علاقة الحكومات بشعوبها تحت ضغط الخوف والانهيار.
وفي السنوات الأخيرة بدا وكأن العالم يدخل مرحلة جديدة من إعادة الترتيب، فنجد اليوم حروباً وصراعاً على الطاقة، وتصاعد النفوذ التكنولوجي، وأزمات اقتصادية متلاحقة، واستقطاباً عالمياً متزايداً، وكأن النظام الدولي القديم يترنح بينما تتشكل ملامح نظام جديد وسط الفوضى.
لقد تغير شكل السيطرة الحديثة، فاليوم لم تعد الهيمنة تعتمد فقط على الاحتلال العسكري أو القوة المباشرة لكنها أصبحت أكثر تعقيدا، فالشعوب المنهكة نفسيا واقتصاديا أقل قدرة على التفكير وأكثر قابلية للقبول بأي حلول تعرض أمامها مهما كانت قاسية لأن الإنسان الذي يخاف على لقمة عيشه ويستيقظ يوميا على أخبار الحروب والانهيارات والكوارث لا يعود منشغلا بقضايا أمته إنما أكبر همه أن ينجو هو وعائلته في ظل هذه الفوضى التي أعادت تشكيل وعيه حيث لعب الإعلام دورا مهما في إعادة هذا التشكيل بعد أن فقد مصداقيته وأصبح أداة يتحكم بها لبث ما يجب أن يبث وتسليط الضوء على ما يسمح له أن يكون تحت الضوء، ناهيك عن حالة إغراق الناس بالروايات المتناقضة حتى فقدوا القدرة على التمييز بين الحقيقة والكذب، فهي تبث على مدار ٢٤ ساعة خوفاً اقتصادياً وخوفاً أمنياً وخوفاً مجتمعياً وخوفاً فكرياً... بهدف جعل الشعوب في حالة مرهقة. ومن المعروف أنه كلما ازداد خوف الإنسان أصبح أكثر استعدادا للتنازل عن الأشياء التي كان يعتبرها يوما من الثوابت، وهذا ما ترمي إليه الكثير من الأنظمة الحديثة اليوم؛ أن تجعل شعوبها مرهقة نفسيا فيسهل عليها فرض سيطرتها عليهم لأن الإنسان المرهق سيطلب بنفسه أي شيء يمنحه شعورا مؤقتا بالأمان حتى لو كان الثمن دينه أو حريته!
الأخطر من ذلك أن الحروب أحيانا لا تدار بالقوة الصلبة بل بالناعمة أيضا، فمفهوم الفوضى اليوم أصبح وسيلة حكم غير مباشر؛ فحين يبقى الناس منشغلين بالأزمات المتلاحقة يصبح من السهل تمرير تحولات كبرى دون مقاومة حقيقية، وحين يتحول القلق إلى أسلوب حياة يفقد الإنسان تدريجيا قدرته على رؤية الصورة الكاملة.
وربما لهذا نجد لحظات الفوضى الكبرى في التاريخ كانت أحيانا بداية لتحولات كبرى وصعود مشاريع جديدة.
لقد أثبت التاريخ أن الفراغات الكبرى لا تبقى فارغة طويلا، وأن الشعوب حين تفقد إيمانها بالنظام القائم تبدأ بالبحث عن مشروع جديد يمنحها الكرامة والاتجاه.
والأمة الإسلامية رغم ما تعيشه من تمزق وضعف وتبعية لا تزال تملك في عمقها فكرة أن الإسلام ليس مجرد دين روحي معزول عن الواقع لكنه مشروع حضاري قادر على تنظيم الحياة وبناء أمة موحدة تحمل رؤية مختلفة للعالم. وربما تكون الفوضى التي يعيشها العالم اليوم بكل تناقضاتها وانهياراتها لحظة تكشف من جديد أن الأمة التي تملك مشروعا حقيقيا ووعيا سياسيا عميقا تستطيع أن تتحول من مجرد متفرج على الأحداث إلى طرف منافس يصنع التاريخ من جديد.
لقد أضعنا فرصاً في الماضي فكانت النتيجة أمة مفعولاً بها، وإن لم نستغل اليوم هذه الفوضى فسنغدو أمة مجرورةً، وهذا ما لا يليق بأمة رسول الله ﷺ التي سطر التاريخ عن أمجادها وفتوحاتها وعدلها وعزتها.
نعم التاريخ يكرر نفسه لكن كل مائة عام، ألم تكفنا مائة عام عشنا فيها الذل والهوان لأننا ابتعدنا عن منهجنا وتطبيق عقيدتنا؟ وهل نتحمل مائة عام أخرى لنحظى بفرصة التغيير؟ اليوم إما أن نعيد رسم خريطتنا واستعادة مشروعنا وعودتنا أمة فاعلة كما يليق بها، وإلا فإن الأجيال القادمة ستفقد هويتها وما تبقى من عقيدتها لأن عدو الغد ليس كعدو اليوم يسعى للهيمنة وإنما يهدف لاقتلاع الدين من جذوره، وإننا اليوم في حزب التحرير نملك هذا المشروع المبدئي المستنبط من كتاب الله وسنة رسوله، القادر على ملء الفراغ الناتج عن تآكل النظام الرأسمالي.
كل ما تحتاجه الشعوب اليوم هو الوعي على خطورة المرحلة واستغلال كل ما تمتلكه الأمة من طاقاتها ونخبها (التي تمتلك الشخصية الإسلامية) للعمل ضمن إطار حزبي مبدئي لإنقاذ دين الله وإعادة تطبيقه مهما كلفهم من ثمن. فثمن اليوم أقل كلفة مما سيدفع لاحقا. فلكل من ينتظر معجزة: اعلم أن الله لا يمنح النصر مجانا ولا يعطي التمكين إلا للمخلصين من عباده، وأن الله غالب على أمره ودين الله منتصر لا محالة، فلنكن جنود الله في أرضه وأنصار رسوله والغلبة لله وللمؤمنين.
كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
منال أم عبيدة



