- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
إيران على عتبة القنبلة.. والأنظمة العربية على عتبة الهاوية!
(قراءة في سيناريوهات مستقبل الملف النووي)
في لحظة إقليمية تتقاطع فيها الدبلوماسية مع الاشتباك العسكري، لم يعد الملف النووي الإيراني مجرد جدل تقني حول أجهزة الطرد المركزي ونسب التخصيب، بل تحوّل إلى مرآة التوازن الإقليمي، وميزان الردع في صراع لا يهدأ بين طهران من جهة، وتحالف واشنطن وتل أبيب من جهة أخرى.
فالمشهد اليوم ليس امتداداً لاتفاق عام 2015 الذي فرضه أوباما، بل هو مرحلة مختلفة جذرياً، يُعاد فيها تعريف قواعد اللعبة، وتُكسر فيها سقوف الردع القديمة، وتُنتزع فيها التنازلات بالصواريخ لا بالحوار، ويتحول فيها زمن القرار إلى سلاح أقوى من الرصاص والقنابل.
أولاً: الستون بالمائة ليست تسعين بالمائة، لكن الفارق "زمن القرار"
لنبدأ من الجوهر: ما الذي تغير حقاً؟
في عام 2015، وقّعت إيران والقوى الكبرى بقيادة أمريكا على خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي)، التي قضت بخفض قدرات إيران التخصيبية إلى مستوى لا يسمح باختراق عسكري سريع، وإطالة زمن الاختراق إلى أكثر من عام، فكان اتفاقا مذلا ومخزيا لإيران بكل المقاييس. أما اليوم، وبعد انسحاب أمريكا أحادياً من الاتفاق في أيار/مايو 2018 تحت رئاسة دونالد ترامب، واغتيال قاسم سليماني والفريق النووي الإيراني، وتوقف إيران التدريجي عن التزاماتها، فقد وصل التخصيب إلى مستويات لم تكن مطروحة حتى في خيال المفاوضين قبل عام 2015.
ففي كانون الثاني/يناير 2021، أعلنت منظمة الطاقة الذرية الإيرانية عن بدء تخصيب اليورانيوم بنسبة عشرين بالمائة في منشأة فوردو، وهي نسبة كانت محظورة بموجب الاتفاق، وفي نيسان/أبريل 2021، قفزت النسبة إلى ستين بالمائة (الوكالة الدولية للطاقة الذرية، تقرير ربع سنوي، أيار/مايو 2021)، ردا على حادثة الإرهاب النووي في نطنز والتي تزامنت مع مفاوضات غير مباشرة بين أمريكا وإيران في فيينا، وهنا تم اتهام كيان يهود بشكل مباشر على لسان الرئيس الإيراني حسن روحاني.
وهنا تكمن القفزة النوعية: الستون بالمائة هي "منطقة العتبة"، وهي المرحلة التي يصبح فيها الانتقال إلى تسعين بالمائة وهي الدرجة المستخدمة في الرؤوس الحربية أسرع بكثير وأقل تكلفة تقنياً وزمنياً.
قال مدير عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية الأسبق، يوكيا أمانو، في مقابلة نادرة مع وكالة أسوشيتدبرس عام 2019: "عندما تصل دولة إلى ستين بالمائة، فإنها تكون فعلياً على بعد أسابيع من تسعين بالمائة، ليس لأسباب تقنية فقط، بل لأن الخبرة والقدرات الصناعية تكون قد اكتملت" (أسوشيتدبرس، 12 حزيران/يونيو 2019)
ولئن أصر الرئيس الأمريكي ترامب على أن المواقع النووية الإيرانية في نطنز قد "طُمسَت بالكامل" في حرب حزيران/يونيو 2025، فإن الوقائع الميدانية والتقارير الاستخباراتية قد أكدت استمرار استهداف هذا الموقع الحساس، في الحرب التي انطلقت صباح السبت 28 شباط/فبراير 2026.
ثانياً: لماذا فشلت صيغة عام 2015؟ الجواب: الثقة لا التقنية
بالنسبة لإيران، لم يكن العيب في اتفاق عام 2015 من الناحية التقنية، بل في انهيار الثقة البنيوي بين الأطراف، رغم الخدمات الجليلة التي قدمتها لأمريكا في سوريا ومن قبلها العراق وأفغانستان ولبنان واليمن.
فالاتفاق القديم كان قائماً على فرضية ضمنية: أن إيران لن تسعى للسلاح، وأن الغرب بزعامة أمريكا لن ينسحب منه فجأة. ولكن حين انسحب ترامب في 8 أيار/مايو 2018، وأعاد فرض العقوبات القصوى، بحيث لم يعد بحاجة لتلك الخدمات الإقليمية الإيرانية الظرفية، شعرت طهران أن الورقة المكتوبة لم تعد ضماناً، وأن "زمن الاختراق" القصير هو الضمان الوحيد في عالم لا يحترم التوقيعات.
من هنا، يمكن فهم التحول الإيراني: لم يعد البرنامج النووي مجرد ملف تقني، بل أصبح وثيقة تأمين ضد الاغتيالات (كما حدث لمرتضى محسني، أحد كبار العلماء النوويين، في تشرين الثاني/نوفمبر 2020)، ورادعاً ضد التهديدات العسكرية (نيويورك تايمز، 29 تشرين الثاني/نوفمبر 2020).
ويؤكد تقرير سري لمجلس الشيوخ الأمريكي نشر في تموز/يوليو 2023: "إيران لم تصل إلى تسعين بالمائة بعد، لكنها بنت قدرة اختراق سريع"، ما يعني أنها تستطيع، إذا قررت قيادتها، إنتاج مادة انشطارية لأول سلاح خلال أسابيع، وليس سنوات" (مجلس الشيوخ الأمريكي، تقرير استخباراتي، تموز/يوليو 2023)
ثالثاً: أطراف اللعبة.. ثلاثة تعريفات للخطر
ما يجعل الملف قابلاً للانفجار في أي لحظة، هو أن كل طرف يعرّف الخطر بشكل مختلف:
أمريكا ترى الخطر في زعزعة استقرار حلفائها الخليجيين، وارتفاع أسعار النفط، واضطراب الاقتصاد العالمي واندلاع حرب إقليمية لا تريدها في عام الانتخابات النصفية، وقبل ذلك وبعده تهديد وجود كيان يهود. لكنها تريد إدارة الأزمة، لا حلها.
إيران ترى في البرنامج النووي ضمان بقائها في بيئة تسعى لتغيير نظامها وتركيعها من خلال العقوبات والاغتيالات والتهديد العسكري. فالنووي عندها هو كعب أخيل معكوس: ليس نقطة ضعفها، بل رادعها الوحيد.
كيان يهود يرى في أي اقتراب من تسعين بالمائة خطاً أحمر وجودياً، كما صرّح نتنياهو في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول/سبتمبر 2023: "لن نسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي، حتى لو اضطررنا للعمل وحدنا" (الأمم المتحدة، كلمة نتنياهو، 22 أيلول/سبتمبر 2023).
بل يُعتبر البرنامج النووي الإيراني خطراً ماحقاً على كيان يهود، لذلك يريد التخلص منه بكل الوسائل، ولأجل ذلك هلل لانسحاب الرئيس ترامب سنة 2018، من اتفاق عام 2015، وكان موقف كيان يهود واضحاً بأنه يقبل فقط بالنموذج الليبي وتفكيك إيران لبرنامجها النووي، أي تخلي إيران عن برنامجها النووي بالكامل.. وكثف جواسيسه داخل إيران لذلك.. حيث كشفت عملية مطرقة منتصف الليل صائفة 2025، ثم عملية الغضب الملحمي ربيع 2026، عن جيش من العملاء داخل إيران يرصدون ويتعاونون مع جهاز مخابرات كيان يهود "الموساد"، من أجل تصفية قادة النظام الإيراني، تماما مثلما حصل لحزب إيران في لبنان حين قام كيان يهود بتصفية قادته.
الخلاصة أن هذا التباين في تعريف "الخطر" هو الذي يمنع أي اتفاق نهائي، ويجعل المواجهة المباشرة والشاملة احتمالاً قائماً، وإن كان منخفض الاحتمال حالياً.
رابعاً: فضيحة التطبيع العربي مع الكيان.. الغطاء الذي أكمله الخونة
وقبل الانتقال إلى السيناريوهات المستقبلية، لا بد من التوقف أمام فضيحة لا تقل خطورة عن خيانة قادة العرب لفلسطين وتخاذلهم عن نصرة غزة وأهلها، بل هي الوجه الآخر لعملة الخيانة ذاتها: فضيحة التطبيع العربي مع كيان يهود.
فبينما تُصوَّر إيران على أنها "الخطر الأكبر" وأنها الغول الذي سيلتهم المنطقة وتُخصص لها آلاف الساعات الإعلامية، نرى أنظمة عربية تسابق الزمن لإقامة علاقات علنية مع الكيان الغاصب، وكأن فلسطين لم تكن يوماً قضيتها، وكأن غزة لم تكن تئن تحت القصف عاماً بعد عام. وهذا التطبيع ليس "خياراً استراتيجياً" أو "سلام الأقوياء" كما يروجون، بل هو استسلام مذل، وبيع للدين والكرامة بثمن بخس، وإعلان رسمي بأن هذه الأنظمة قد تخلت عن دورها المزعوم كحامية للأقصى وأصبحت حارسة لأمن الكيان الغاصب، بل هي القبة الحديدية الحقيقية له، وهذا ما كشفته الأحداث المتتالية منذ فجر طوفان الأقصى.
فكيف يُعقل أن تطبع دولة عربية كبرى مع العدو وتفتح له سفاراتها وتستقبل وزراءه وتوقع معه اتفاقيات اقتصادية وأمنية وعسكرية، بينما تمنع أي تحرك عربي حقيقي لدعم غزة والمقاومة، وتصطف خلف الإدارة الأمريكية في عدائها لإيران، وتسكت عن مجازر يهود اليومية في غزة ولبنان وما حولهما؟ وكيف لدول تمتلك ثقلاً عسكرياً واقتصادياً كتركيا وباكستان والسعودية ومصر والجزائر أن تظل جامدة كالتماثيل، صامتةً صمت القبور، وجيوشها الجرارة تبقى حبيسة الثكنات، وأسلحتها الباهظة لا تصوب إلا نحو شعوبها، وفي المناورات الوهمية، بينما إيران - رغم الحصار والعقوبات - فعلت ما لم تفعله هذه الدول كلها مجتمعة، وواجهت غطرسة أمريكا بسلاح الردع لا بسلاح الاستجداء؟
لقد صار التطبيع فضيحة مكملة لخيانة القادة، وأداة لتطويق المقاومة، وهؤلاء المطبعون سرا وعلانية لم يكتفوا بخيانتهم لفلسطين بل صاروا دعاة لتطبيع شعوبهم مع العدو عبر حملات إعلامية ممنهجة، محاولين اقتلاع جذور الإيمان من قلوب المسلمين، وغسل أدمغتهم بأن "(إسرائيل) أصبحت واقعاً لا راد له وأنه لا سبيل للإقلاع الاقتصادي إلا عبر بوابة التطبيع"!
إن من يطبع اليوم مع الكيان إنما يوقع وثيقة استسلام نهائي، ويمنح العدو غطاءً عربياً لمواصلة جرائمه، وهؤلاء القادة شركاء في الدم الفلسطيني وآثامهم لا تغفر ما لم يتوبوا ويعودوا إلى رشدهم، وينفضوا عن وجوههم غبار الذل والهوان.
وعلى أمة الإسلام ألا تنتظر خلاصاً من خونة باعوا فلسطين في أسواق التطبيع، ولا من عملاء جعلوا جيوشهم حارسة لحدود الكيان لا لتحرير القدس، ولا من حكام يتخذون الكفار أولياء من دون المؤمنين. إن أمة الإسلام لن تُحرر فلسطين بقادة خونة، ولن تعود القدس مسرى رسول الله ﷺ بإمارة الصبيان بل بخليفة راشد يصدق فيه قول المصطفى ﷺ: «إِنَّمَا الْإِمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ وَيُتَّقَى بِهِ».
خامساً: السيناريوهات المستقبلية.. ثلاثة مسارات لا رابع لها
انطلاقاً من المعطيات أعلاه، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل الملف النووي الإيراني:
الأول: سيناريو إدارة الأزمة الطويلة (الأكثر ترجيحاً)
وفيه يستمر الوضع قائماً على اللاحرب واللاسلم، مع بقاء التخصيب عند حدود ستين بالمائة، وتبقى نسبة تسعين بالمائة ورقة في جيب إيران، لا تستخدمها إلا إذا تعرضت لضربة وجودية. هذا السيناريو مرهق للجميع، لكنه يمنع الانهيار الكامل، ويُسعف ترامب في الانتخابات النصفية.
الثاني: سيناريو اتفاق جديد بصيغة أكثر صرامة (احتمال ضعيف)
وهو اتفاق يعيد تمديد زمن الاختراق إلى عام أو أكثر، ويشمل تقليصاً حقيقياً للقدرات التخصيبية. لكن هذا السيناريو يحتاج إلى ثقة غائبة منذ عام 2018، وضمانات أمريكية مكتوبة وملزمة، وهو ما ترفضه واشنطن حتى الآن. ولذلك فإن أي
حديث عن اتفاق وشيك ليس سوى دخان إعلامي يطلقه ترامب للبحث عن حلول تفاوضية. وليس أدل على ذلك، من تصريح ويتكوف، مبعوث ترامب إلى الشرق الأوسط، العام الماضي، حيث قال معبرا عن موقف الإدارة الأمريكية الحالية: "إن واشنطن لن تقبل أي مستوى من تخصيب اليورانيوم في اتفاق محتمل مع طهران". وأضاف في حديثه لشبكة إيه بي سي نيوز: "لا يمكننا أن نسمح ولو بنسبة واحد في المائة من قدرة التخصيب. كل شيء يبدأ من وجهة نظرنا، باتفاق لا يشمل التخصيب". (صحيفة إيران إنترناشيونال، 20/05/2025).
الثالث: سيناريو التصعيد العسكري (منخفض الاحتمال، مرتفع التأثير)
وهو قائم على ضربات جوية من كيان يهود أو أمريكا ضد منشآت نطنز وفوردو وأصفهان. لكن هذا السيناريو لن ينهي البرنامج، بل سيؤجله لسنوات، ويثير حرباً إقليمية واسعة تشمل كامل منطقة الخليج، ويحوّل إيران إلى دولة على عتبة السلاح النووي بحكم الأمر الواقع، وبالتالي فإن عواقبه كارثية خاصة على كيان يهود.
يقول مايكل مولروي، المساعد السابق لوزير الحرب الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط، في مقال لصحيفة وول ستريت جورنال، آذار/مارس 2024: "الضربة العسكرية ستؤخر البرنامج الإيراني 3 إلى 5 سنوات، لكنها ستضمن أن إيران ستقرر حتماً امتلاك السلاح بعد ذلك، بدلاً من البقاء عند العتبة" (وول ستريت جورنال، 14 آذار/مارس 2024).
الخلاصة: من يملك زمن القرار يملك المعادلة
في المحصلة، لا يُقرأ الملف النووي الإيراني اليوم بوصفه ملفاً تقنياً، بل بوصفه انعكاساً لتحول أعمق في إدارة الصراع العالمي، حيث لم تعد الاتفاقات تُبنى على الثقة، بل على إدارة الشكوك وتقليل المخاطر.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن "زمن القرار" أصبح سلاحاً استراتيجياً لا يقل أهمية عن الرؤوس الحربية. فالدولة التي تستطيع تقليص "زمن الاختراق" إلى أسابيع، تمتلك قوة لا تُقاس بعدد القنابل، بل بسرعة التحول من المدني إلى العسكري، ومن التفاوض إلى الردع.
وفي هذا السياق، يمكن القول إن إيران، حتى دون امتلاك السلاح، قد نجحت في تحويل البرنامج النووي إلى أداة ردع قائمة بذاتها، وإلى بطاقة تفاوض دائمة لا يمكن إسقاطها بقصف أو اتفاق، لذلك لم تتراجع خطوة واحدة عن نسبة الستين بالمائة.
يبقى السؤال الأهم: إذا كانت أمريكا قد اعترفت علناً بأن الصين وحدها (إلى جانبها) تملك القدرة التقنية لنقل اليورانيوم الإيراني (كما نشر ترامب على حسابه في تروث سوشيال بتاريخ 29/05/2026)، ثم رفضت تسليمه لها، فهل يعني ذلك أن واشنطن تفضل بقاء اليورانيوم في إيران على أن يمر عبر يد بكين، أم أنه تلويح أمريكي بأن الصين هي "المخرج" الوحيد من المأزق الحالي؟ هذا هو السؤال الذي سيرسم ملامح المرحلة المقبلة.
وأخيراً، إلى أبناء الأمة الإسلامية المجاهدة في كل مكان: لا تيأسوا من روح الله، ولا تخونوا كما خان القادة، ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ﴾. إن غداً لناظره قريب، ودماء الشهداء في غزة وكل فلسطين لن تذهب هدراً بإذن الله. ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾
كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
المهندس وسام الأطرش



