- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
مضيق هرمز ليس عقاراً من عقارات أمريكا
من يتابع تصريحات ترامب بشأن مضيق هرمز، يخيل إليه أنه يتحدث عن عقار خاص تملكه بلده، أو عن مرفق تابع لها، لا عن واحد من أهم المضائق البحرية في العالم! فلهجة الوصاية التي تطغى على خطاب أمريكا توحي بأنها ترى لنفسها حق تقرير مصير هذا الممر الدولي، وتحديد من يعبره ومن يدفع ثمن عبوره، وكأن إرادة القوة أصبحت بديلاً عن قواعد القانون الدولي المزعوم!
إن مضيق هرمز ليس مجرد شريط بحري ضيق، بل هو شريان اقتصادي تعبر منه نسبة كبيرة من تجارة الطاقة العالمية، ولهذا فإن أمنه لا يخص دولة بعينها، بل يرتبط باستقرار الاقتصاد الدولي كله. ومن هنا، فإن أي محاولة لاحتكار القرار فيه، أو تصويره على أنه خاضع لإرادة قوة واحدة، إنما تعكس عقلية الهيمنة التي طالما حكمت السياسة الأمريكية في تعاملها مع العالم.
لقد اعتادت أمريكا أن تنظر إلى كثير من المناطق الحيوية بمنظار النفوذ، لا بمنظار المشاركة، فتتحدث عن البحار والمضائق كما لو كانت امتداداً لمصالحها وحدها، متناسيةً أن الجغرافيا لا تمنح صكوك الملكية للدول الكبرى، وأن السيادة لا تُنتزع بالتصريحات، ولا تُفرض بالرغبات السياسية.
إن أخطر ما في هذا الخطاب أنه يسعى إلى ترسيخ فكرة أن النظام الدولي لا تحكمه المبادئ، بل موازين القوة وحدها، وأن من يمتلك التفوق العسكري يستطيع أن يعيد رسم الخرائط السياسية وفق مصالحه. غير أن التاريخ مليء بالشواهد التي تؤكد أن الغطرسة السياسية قد تمنح صاحبها نفوذاً مؤقتاً، لكنها لا تصنع شرعية دائمة، ولا تضمن استقراراً مستمراً.
وإذا كانت القوى الكبرى تتنافس اليوم على الممرات البحرية والمواقع الاستراتيجية، فإن ذلك يكشف عن طبيعة النظام الدولي الذي لا يزال يخضع لمنطق المصالح قبل القيم، ولمنطق القوة قبل العدالة. ومن هنا، فإن الشعوب الضعيفة تبقى أول من يدفع ثمن هذا الصراع، إذ تتحول أوطانها إلى ساحات تنافس، وثرواتها إلى أوراق تفاوض، وأمنها إلى بند من حسابات الدول الكبرى!
إن مضيق هرمز يجب أن يبقى ممراً دولياً، لا عقاراً من عقارات البيت الأبيض، وستظل الجغرافيا أكبر من أن تُختزل في تصريحات السياسيين، وأعظم من أن تُقاس بأعمار الإدارات الحاكمة.
أما الأمم التي تريد أن تحمي مصالحها وكرامتها، فلا يكفيها أن تنتقد غطرسة الآخرين، بل لا بد أن تمتلك من أسباب القوة والوحدة ما يجعلها قادرة على الدفاع عن حقوقها؛ لأن العالم، في ظل هذا النظام، لا يحترم الضعفاء، وإنما يحترم من يملك الإرادة والقوة معاً.
وإن الأمة التي تتفرق كلمتها، يسهل على غيرها أن يتحدث عن أوطانها ومقدساتها وممراتها، وكأنها أملاك مباحة! أما إذا استعادت وحدتها، وأحيت في نفوس أبنائها معاني العزة والقوة، وأصبحت كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً، فلن يجرؤ أحد على أن يتعامل مع بلادها أو مقدراتها بمنطق الوصاية والاستعلاء. قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا﴾، فالوحدة هي أول طريق العزة، والقوة هي الحصن الذي تُصان به البلاد، وتُحفظ به كرامة الأمة.
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
مؤنس حميد – ولاية العراق



