- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
الترفيه الموجّه وأثره في تغييب دور الشباب
انشغل الشباب هذه الأيام بمتابعة مباريات كأس العالم في لعبة كرة القدم، حتى وصل الحال إلى حدّ الهوس بالمتابعة والانقطاع عن القيام بالواجبات الشرعية والدنيوية، وعقد اللقاءات العامة والخاصة والعائلية والشللية لمتابعة هذه المباريات، على الرغم من أن هناك أموراً مصيرية وحيوية تؤرق جيل الشباب، إلى درجة أن هذا الجيل لم يعد يرى ملامح تسره لبناء مستقبل له، إضافة إلى المؤامرات التي تُحاك لهذه الأمة، والأحداث العظام التي تحصل هذه الأيام، والدماء التي تسيل من جراح جسد أمتهم في الأرض المباركة فلسطين، وفي غيرها من بلاد المسلمين. إلا أن هذا الانشغال يجعل المراقب يشك في مدى جدية اهتمام الجيل الحالي بما يدور حوله وبما يُحاك ضده، ومدى اهتمامه بمستقبله وبمصير أمته ضمن مفهوم الاستخلاف الذي وضحته العقيدة الإسلامية، كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ وضمن مفهوم سبب خلق الإنسان ووجوده في الحياة، مصداقاً لقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾.
لا شك أن هناك قطاعاً كبيراً من الناس يشعرون بحالة من الغضب والإحباط في ظل عدم وعي هؤلاء الناس بحلولٍ للواقع المؤلم الذي تمر به أمة الإسلام والبشرية جمعاء، وهذا هو سبب متابعة جيل الشباب لهذه "اللعبة"، أي أنه يرى في ذلك هروباً من الواقع ومن القيام بمسؤولية الاستخلاف والعبادة. وهو الجيل الذي يُفترض أن يعمل للتغيير ويحمل على عاتقه همّ الأمة والبشرية، ولكن يجب ألا نتهم هذا الجيل بالتفاهة، بل نلتمس له عذر ضغط الواقع وصعوبة السير في طريق التغيير الذي يقتضي التضحية بالغالي والنفيس.
وإذا أضفنا إلى هذا السبب مؤامرات الأنظمة القائمة في البلاد الإسلامية وتكسّب الغرب من هذه اللعبة، فإن التحدي الذي يواجهه الشباب ليس سهلاً. فهذه الأنظمة قد انبرت منذ نشأتها للنيل من الأمة وتطلعاتها في الانعتاق من هيمنة الكافر المستعمر عليها، والتحرر منه، والاستقلال بدينها وطريقة عيشها، بل وحتى بطراز عيشها من المدنية التي تنبثق وتنسجم مع طبيعة حضارة الأمة النبيلة، ومنها أساليب الترفيه المشروعة التي تنسجم مع طبيعة الجدية عند الأمة وشبابها. وقد وضعت الأنظمة العميلة العديد من الخطط التي تحطّ من جدية جيل الشباب، حتى تُوجد جيلاً لا همّ له إلا المتع والترفيه، وتُنشئ جيلاً عاجزاً عن القيام بأعباء التغيير الذي يقتضي الجدية والتضحية. وما استبدال آل سعود هيئة الترفيه بهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - على ما فيها من انحراف عن حقيقة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - إلا مثال على سياسة هذه الأنظمة وغاياتها. وهذا مثال ذُكر لتطابق الألفاظ مع ما تقدم، لكن ما تقوم به باقي الأنظمة هو مثله تماماً، يزيد ولا ينقص؛ فجميع هذه الأنظمة لديها وزارات للشباب والرياضة تُخصص لها ميزانيات ضخمة تفوق أحياناً ميزانيات الصحة والتعليم والصناعات، ومنها الحربية، إضافة إلى وزارات الفن التي ترعى الرذيلة والمنحرفين، لا للترفيه عن الناس بالحرام فقط، بل لجعل جيل الشباب يتعلق بهذه التفاهات والمحرمات، فيُبنى جيل تافه غير مسؤول، لا يخطر بباله الاهتمام بأمر المسلمين، فضلاً عن الاهتمام بأمره ومستقبله المظلم في ظل هذه الأنظمة.
صحيح أن الترفيه في الإسلام مباح من حيث الأصل، ولكن يجب أن يكون منضبطاً بالشرع، وألا يتناقض مع الطبيعة الرعوية للإسلام والدعوة التي نحملها للناس كافة، ولا مع شخصية حامل الدعوة وجديتها على وجه الخصوص. كما يجب استحضار الوعي والربط بين أساليب الترفيه وبين استخدام المتربصين لها بهذا الجيل؛ فلا يستقيم بحق المسلم الذي قال عنه سيدنا عمر رضي الله عنه: "أنا لست بالخبّ، ولا الخبّ يخدعني"، أن ينساق كالقَطيع إلى المقصلة التي أعدها له الخبيث وأنفق عليها الملايين. إضافة إلى أن الترفيه ليس هدفاً في ذاته، بل هو وسيلة للاستراحة وتجديد النشاط للقيام بالأعمال العظام لنهضة الأمة.
إن المسلم، وخصوصاً حامل الدعوة، له شخصية متميزة تقوم على الجدّ والانشغال بفكر الدعوة وشرعها، فلا يقبل من الترفيه ما يضعف هذه الشخصية أو يناقض سمتها أو يُذهب وقارها وجديتها. وحتى يكون المسلم وحامل الدعوة مؤثراً في المجتمع وبين أقرانه من الشباب، ويتمكن من أخذ قيادة الأمة والناس أجمعين، يجب أن يحافظ على هذه الصفات؛ فهي صفات رجل الدولة وحامل الدعوة التي لا تقبل أن يكون صاحبها صاحب لعب ولهو، ولو في المباحات، خصوصاً في هذه الفترة التي تمر بها الأمة، بل والبشرية التي تتخبط في دياجير ظلام العلمانية وتتلمس أي يد تمتد لها من وسط الظلام لإنقاذها والأخذ بيدها. لذلك فالمعيار عند حامل الدعوة ليس فقط الإباحة الشرعية العامة، بل كذلك: هل هذا اللون من الترفيه ينسجم مع طبيعة شخصية حامل الدعوة والجدية عموماً، والجدية الفكرية والانضباط ووقار حامل الدعوة، أم يضعفها ويشوّهها؟ من الواضح أن الترفيه الذي يجرّ إلى تتبّع ثقافة الغرب أو برامج التسلية الفارغة، أو يملأ القلب بالانشغال بالتافه، يُعدّ مضراً بالدعوة وبشخصية حاملها، حتى لو لم يشتمل على محرّم صريح؛ لأن أثره التراكمي على الوعي والهمة خطير.
إن الجمع بين الترويح والجدّ في حمل همّ الأمة والبشرية يقتضي أن النفس تحتاج إلى قدر من الترويح حتى لا تملّ ولا تضجر، ولكن يجب مراعاة التوازن بين ما عليه حامل الدعوة وبين الحاجة إلى الراحة، والتي يجب ألا تتعدى أن تكون استثنائية كاستراحة المحارب، لا استراحة اللاهي والمتغافل. كما جاء في حديث سلمان مع أبي الدرداء رضي الله عنه: "إن لربك عليك حقاً، ولنفسك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، فأعطِ كل ذي حق حقه". وهناك فرق بين أن يضع حامل الدعوة لنفسه برنامج ترفيه منضبط يتضمن نشاطاً بدنياً، كرياضة ومشي، وبين أن يتجرع السم الذي وُضع له في أساليب الترفيه التي أعدها له عدوه من أنظمة ووسائل إعلام ووزارات رياضة وفن... إلخ. فالضابط الأهم أن يراجع المسلم وحامل الدعوة ترفيهه على ميزانين معاً: ميزان الحكم الشرعي التفصيلي، وميزان أثره على شخصية رجل الدولة وهمّ الدعوة؛ فإذا سلم الميزانان، كان الترفيه حينئذٍ محموداً لا مذموماً.
اللهم إنك قد استخلفت الإنسان في هذه الأرض وأمرتَه أن يقوم بحق هذا الاستخلاف، وأن يعبدك حق العبادة، فاجعلنا ممن يعون رسالتهم ويقومون بواجبهم، ولا تجعلنا من الغافلين اللاهين، اللهم ارزقنا الصدق في حمل همّ هذا الدين، والثبات على طريق التغيير، والبصيرة التي تميز بين الحق والباطل، وبين ما ينفع وما يضر ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾.
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
بلال المهاجر – ولاية باكستان



