- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
إبستين الاسم الآخر للغرب
ليست قضية ذئب منفرد بل هي حقيقة غابة وحوش الغرب
إبستين هو الاسم الآخر لسقوط الغرب الحضاري، هو الهاوية التي انتهى إليها الغرب وما كانت لتكون إلا هاوية وقاعاً سحيقاً من المسخ البشري والتشوه الإنساني، جراء منظومة ثقافية علمانية شوهت العقل وأركست الفطرة، فقد انتهى الغرب إلى التيه الفكري التام واتخذ من العدمية المادية مقدساً، وهذه العدمية المادية لا تعرف لا شرا ولا خيرا ولا قيما ولا أخلاقا ولا مثلاً عليا ولا غايات كبرى سامية ولا رادعا ولا حداً ولا حدودا، فقد أنهت المنظومة الثقافية العلمانية الغربية المسألة الإنسانية، وجردت الإنسان من نبله وعقله واستثنائيته، وانتهت به إلى مادة صماء ملساء تطحن وتسحق وتعجن بحسب منطق البقاء للأقوى، وأن أقصى هدف لهذه المنظومة هي المتعة واللذة المادية وطريقتها لذلك المال والسلطة والقوة، فانتهينا مع هذه المنظومة الشاذة إلى حضارة شاذة كل مفاهيمها عن الحياة ترجمة لحقيقة الشذوذ، فالغرب في شذوذه الحضاري ما كان سقوطه إلا ليكون شاذا مأساويا مخزيا قاسيا.
فقضية إبستين لم تأت بجديد بل فقط كشفت القذارة غير المسبوقة في تاريخ البشر التي يسبح في قاع مستنقعها الغرب، وأزاحت الأستار عن حجم الشذوذ الحضاري والكارثة والمأساة الإنسانية التي يعيشها.
هي الدهاليز المعتمة الخانقة التي يقترف فيه مترفو الغرب كل الموبقات والمهلكات، والتي أحكموا إغلاق كل ثقوبها وشقوقها لزمن طويل حتى لا ينبعث نتنها للعلن، فهم وحوش المال وصانعو القوانين والقرارات وبيدهم السلطة والدولة والإعلام والقضاء وأدوات القمع والقهر، فتحت قبضتهم سطوة المال والسلطة والقوة.
أما اليوم مع إفلاس المنظومة الثقافية العلمانية وتآكل قيادتها الفكرية وانتهائها إلى عدميتها المادية وتغول وحوش رأسماليتها وتنافرهم وتطاحنهم، ثم انشطار النواة الصلبة للرأسمالية الأمريكية وتشظيها إلى طبقات رأسمالية متنافرة ومتناقضة المصالح بل ومتناحرة (رأسماليي التكنولوجيا، رأسماليي السلع والخدمات، رأسماليي البنوك)، فلقد انعكس هذا الإفلاس الثقافي والشذوذ الحضاري والتشظي الرأسمالي انقساما وانشطارا مجتمعيا على مستوى ثقافي وسياسي، وهذا الانقسام المجتمعي يزداد حدة وشراسة وعمقا، والخطير فيه هو الشق الثقافي الذي فكك المجتمع في أمريكا إلى مجموعات تحمل رؤى ثقافية وحضارية تكاد تصل إلى حدود النقيض.
هذا الوضع السام الذي تحياه أمريكا بشكل فاضح وإن كان الغرب كله يعاني من النتائج المأساوية لمنظومته الثقافية العلمانية، هو وصفة لتفكك مجتمعي حاد وحروب أهلية طاحنة وتناحر سياسي مدمر، فمع هذا الوضع انتفت أدوات وأساليب المنافسة السياسية وصار الهدف هو تصفية الخصم وقتله سياسيا، وظهر الأمر جليا مع الهجوم على الكابيتول، ثم طعون ترامب في القرارات الرئاسية التي اتخذها بايدن وألغى بعضها.
وتفجير ملف جزيرة إبستين هو من ذلك السلاح القذر لتصفية الخصوم سياسيا، ترجمتها وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون في ردها على دعوتها هي وزوجها للشهادة أمام الكونغرس بخصوص تورطهما في موبقات إبستين بقولها "فلنكفَّ عن الألاعيب، إن كنتم تريدون هذه المواجهة، فلتكن في العلن أمام الجميع"، بمعنى لن أسقط لوحدي بل سأهدم المعبد على رؤوسكم ولتكن نهاية الجميع، فهذا الرد الغريزي العاري هو التعبير الصادق عن عمق المأساة الثقافية والحضارية والسياسية التي يعيشها الغرب الآن.
والمرشح أن الساحة السياسية الأمريكية بخاصة والغربية بعامة ستعرف مزيدا من الفضائح ومزيدا من الافتراس السياسي وتصفية الحسابات بأدوات قذرة متعفنة شرسة، فالانقسام الثقافي والسياسي عطفا على إفلاس المنظومة ثقافيا وتغول الوحوش الرأسمالية يغذي هذا التناحر السياسي بأدوات قذرة متعفنة وصولا إلى العنف المادي والاغتيالات.
فجزيرة إبستين ليست نشازا ولا حالة فريدة شاذة على مستوى الحضارة الغربية، فهذه القذارة بهذا المستوى جزء أصيل منها (زنا المحارم في الغرب أصبح ظاهرة، والزواج بالبهائم والحيوانات حرية بهيمية تعتبر في الغرب حضاريا مستساغة، ومطاعم تقدم وجبات من لحوم أموات البشر خبرها شائع في الغرب، والكنائس الغربية المعلمنة ووحوش رهبانها والتي تحولت إلى ألعن من نادي قوم لوط لاغتصاب الأطفال، بل من قبل ومن بعد إبادة أهل غزة الناطقة الباصرة الفاضحة...)، وهو ما يفسر برودة الرأي العام الغربي وردة فعله تجاه جزيرة العار وعار حكامه وساسته ورأسمالييه، فالكل يسبح في المستنقع نفسه.
فالقضية ليست في شنيع الأفعال ولكن في كشفها، وهذا الكشف غايته التصفية والقتل السياسي، فلقد انتهت السياسة والمنافسة السياسية في الغرب وانتهى الأمر إلى قتل الخصوم سياسيا.
فهذه المنظومة الثقافية العلمانية الغربية كانت ردة فعل على تشوه وشذوذ كهنوتي كنسي، فأتت بتشوهها وشذوذها الوضعي العلماني، فثقافة الغرب وحضارته شرعنت واستساغت إبادة ملايين البشر عبر استعمار مفترس وعنصرية عرقية مقيتة من أجل أطماع وشهوة الجلاد الغربي، فمن السذاجة أن يستغرب منها انتهاك أعراض أطفال وحتى ذبحهم وأكل لحومهم، فشذوذ الثقافة والحضارة العلمانية الغربية انتهى إلى الشيطان الرجيم كفيلسوف لكل شرورها وبوائقها كمفاهيم لحياتها.
ما يجري في الغرب ليس أمرا طارئا ولا حدثا عابرا، بل هو إرهاصات موت ثقافي وفناء حضاري، ويقتضي المقام تنبيها لأمر جوهري عند التعاطي مع المنظومة الثقافية الغربية وحضارتها الملعونة، فهناك فرق جوهري بين معيار تقييمها والحكم عليها، والمعيار المتبع لمعرفة حقيقتها والنتائج الكارثية المأساوية التي انتهت إليها المنظومة الثقافية العلمانية الغربية وحضارتها.
فمعيار التقييم والحكم عليها هو المعيار الشرعي للإسلام وهو من خارجها فهو حكم عليها. أما حين بحث ماهيتها وحقيقتها فمعيارها الثقافي الخاص بها هو الذي يفصح عن حقيقتها وينبئ عن النتائج الآنية والمستقبلية لها.
فماديتها وانتهاؤها إلى العدمية الخالصة في انتفاء القيمة والهدف والغاية والمعيار الأخلاقي والمعنى، هي التي تفسر حقيقتها الصادمة ونتائجها الكارثية وعواقبها المأساوية. بمعنى أن النتائج الكارثية والموبقات الشيطانية للحضارة الغربية الملعونة لا يمكن أن يستسيغها عقل مسلم أو عقل إنسان ذي فطرة سوية، ولكنها إفراز وإنتاج علماني غربي منطقي طبقا لصيرورة تعفن المنظومة الغربية ومن مخرجات العقل العلماني، فهي نتاج منطقي لحضارة الغرب المادية التي انسلخت تماما من كل القيم والأخلاق.
فالمأساة الغربية نطفتها الأولى هي الثقافة العلمانية التي تخلقت منها مفاهيم الغرب عن الحياة وحبلت بأشأم حضارة وألعنها في تاريخ الحضارات. ها هم آباؤها وفلاسفتها ومنظرو هذا الخراب الإنساني كانوا بحق الترجمة الفعلية لهذه العدمية المادية والمأساة الثقافية والحضارية، بل إن كبار فلاسفة الغرب هم كبار فجاره ومنحرفيه وأئمة شذوذه الثقافي والحضاري.
هذا فيلسوف ما بعد الحداثة الفرنسي فوكو (1926-1984) كان شاذا جنسيا، مرتكس الفطرة ساديا ومازوكيا، حاول الانتحار عدة مرات، ومات بالإيدز نتيجة حياته المتفحشة، نشرت صانداي تايمز البريطانية تقريرا سنة 2021 مفاده أنه اغتصب أطفالاً عندما عاش في تونس في ستينات القرن الماضي، والتقرير يستند إلى شهادة شاهد عيان وهو الكاتب الفرنسي غاي سورمان (77 عاما) الذي زارا فوكو في تونس سنة 1969.
وهذا الروائي أنري جيد الحائز على جائزة نوبل في الآداب عام 1947، كان يتصيد الأطفال بأفريقيا، وكذلك الرسام بول غوغان الذي كان ينتهك أعراض الصبيات اللاتي رسمهن وهو في جزيرة تاهيتي.
وهذا الفيلسوف جان جاك روسو الذي كتب في التربية والتعليم والأدب والسياسة، والذي يعتبر كتابه العقد الاجتماعي حجر الزاوية في الفكر السياسي والاجتماعي العلماني الغربي، والذي كتب روايته إميل حول تربية الأطفال، هو نفسه يرمي بأطفاله الخمسة للموت في دار أيتام. كما نشر كتابا بعنوان "رسائل في الأخلاق" يعظ بأهمية الإخلاص والوفاء بين الزوجين، في حين كان يرسل رسائل غرامية لعشيقته تحملها زوجته الأمِّية. كما كان مرتكس الفطرة ذا نزعة جنسية مازوكية، انتهى إلى حالة فائقة من جنون الارتياب والذهان (خلل عقلي).
فنحن أمام تشوه تام وقلب كامل للحقيقة، فالمنظومة العلمانية الرأسمالية الغربية الملعونة حولت الفضائل إلى رذائل والرذائل إلى فضائل، فما يستقبحه ويستهجنه العقل السوي يستحسنه ويستسيغه العقل العلماني، والجديد مع إبستين هو كشف الغرب للمستور جراء تغوله الرأسمالي وتوحشه السياسي، لو تسنى كشف كل قاذورات الغرب لأهلك نتنها النسل والحرث والضرع.
الغرب اليوم يعاني مرض الموت وإرهاصات الفناء الحضاري حتى وإن كابر كل شرار ساسته، ليس جراء شيخوخته فاللعين في عمر الحضارات مجرد فاصلة، فدولته الأولى ومركز الغرب الأول أمريكا التي تحيا خريف عمرها لم يمر على زعامتها للموقف الدولي وقيادتها للغرب أقل من 70 سنة، فقد خرجت لاستعمار العالم بعد الحرب العالمية
الثانية وصنعت لها نظامها وقانونها وفرضته وألزمت به العالم منذ منتصف الخمسينات من القرن الماضي فقط!
فالقضية قضية حضارة ولدت مشوهة سقيمة كلما مرت أيام عمرها انفجرت أسقامها واستشرت واستفحلت، والمصيبة كل المصيبة أن داء الحضارة الغربية داء عضال، ولا خلاص لهذا العالم من جحيم الغرب إلا بالتخلص من منظومة الغرب الثقافية وحضارته الملعونة.
هي أشد كوابيس البشرية رعبا وفزعا صيرتها المنظومة الثقافية العلمانية وحضارتها الملعونة واقعا بشريا، عبر هذه السيطرة المدمرة والقاتلة لشرذمة الرأسماليين على الدولة والمجتمع والحياة، فهذه المنظومة العلمانية الملعونة ووحوش رأسمالييها الذين مات فيهم الإنسان ليحيا فيهم الشيطان بعد أن استخلص لهم من شروره شرا مقطرا، وسماه لشيعته وحزبه ومريديه حرية متحررة من قيود الأرض والسماء، وارتضاها لهم فلسفة للموت ونظام افتراس واسما آخر للهاوية.
لن تنتهي هذه المأساة إلا بهوة سحيقة وقبر ظليم، فحضارة الغرب هي الورم الخبيث الذي ينخر أحشاءه وأحشاء العالم، والغرب في عمى جاهليته مصرّ على كفره ومصمم على فنائه، فهذا التوحش والافتراس الرأسمالي قد دخل مرحلة التعفن والتقيح والتحلل والتفسخ وأشرف على تحقيق النتيجة النهائية الحتمية للمنظومة العلمانية في هلاكها وفنائها.
معشر المسلمين: المستقبل ليس "ما سيكون" فقد صممه الغرب الكافر المستعمر هاوية وقبرا سحيقا، ولكن المستقبل هو ما ستصنعه أمة الإسلام أمة الوحي والهداية والرشد بقيادة أبنائها الأخيار الأطهار حملة دعوة الإسلام العظيم عباد الرحمن، لإقامة دولة الوحي تصميم الحكيم العليم دولة الحق والعدل لكنس الباطل ودولته الكافرة الظالمة، فتطهر العالم من أدران عُبَّاد الشيطان وجاهليتهم المهلكة، عبر خلافة الإسلام الراشدة على منهاج النبوة دولة الرعاية والعدل والرحمة، حاكمها ومحكومها كلهم سواسية تحت شرع الله، لا يبغون فسادا في الأرض ولا علوا ولا ظلما ولا عدوانا ولا طغيانا، كلهم عباد الرحمن خاضعون مستسلمون لحكمه وسلطانه يرجون رحمته ويخافون عذابه فكلهم عيال الله وعبيده، فحيهلا إلى الإسلام العظيم وفضيلته ونبله وخيرة أمته وطهر مجتمعه وعدل دولته.
﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾
كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
مُناجي محمد



