السبت، 11 رمضان 1447هـ| 2026/02/28م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

حين يرتدي مشروع الغرب عباءة الإسلام احذروا الرموز المزيّفة

 

إن أخطر ما تواجهه الأمة اليوم ليس الجيوش الجرارة ولا الأساطيل العابرة للقارات، وإنما هو ذلك الاختراق الناعم الذي يتسلل إلى عقول أبنائها وقلوبهم عبر رموزٍ تُصنع بعناية، وتُلمَّع بإتقان، وتُقدَّم لهم بوصفها صوت الإسلام، بينما هي في حقيقتها تحمل ثقافةً غريبةً عنها، ومشروعاً مناقضاً لنهضتها.

 

لقد أدرك الغرب، منذ هدمه دولة الإسلام، أن المواجهة الصريحة مع عقيدة الأمة ومشاعرها لا تؤتي أكلها، وأن الطريق الأقصر للسيطرة هو صناعة بدائل من داخل الصف، تتكلم بلسان المسلمين، وتستعمل مصطلحاتهم، وتستشهد بنصوصهم، لكنها تُفرغها من مضمونها السياسي وتبتعد بها عن مشروع الأمة الحضاري، وتُبقي الإسلام مجرد طقوسٍ روحية أو شعاراتٍ أخلاقية لا صلة لها بالحكم والسيادة والسلطان.

 

وهكذا نشأت طبقة من "الرموز" التي تُقدَّم على أنها مفكرون إسلاميون، أو دعاة إصلاح، أو قادة رأي، بينما هي عن وعي أو عن غير وعي تحمل مشروع الغرب أو تدور في فلكه، وتعيد إنتاج مفاهيمه، وتسوّق حلوله، وتدافع عن أنظمته، ولو صيغ ذلك كله بعباراتٍ فقهية أو بنصوص شرعية.

 

إن المسألة ليست مسألة نوايا شخصية، ولا صلاحٍ فردي، ولا بلاغة خطاب، وإنما هي مسألة مشروع. فكل إنسان شاء أم أبى ينحاز إلى مشروعٍ ما؛ إما مشروع الأمة الذي يقوم على الإسلام عقيدةً ونظاماً ودولة، وإما مشروع الغرب الذي يقوم على فصل الدين عن الحياة، وجعل السيادة للبشر، وربط بلاد المسلمين سياسياً واقتصادياً وعسكرياً بالغرب. فإن لم تكن تعمل لإقامة سلطان الإسلام في واقع الحياة، وتسعى لإعادة وحدة الأمة تحت رايةٍ واحدة، وتتصدى للهيمنة الغربية بأدواتٍ سياسية واعية، فأنت مهما حسنت عبارتك تعمل لخدمة الواقع القائم الذي صنعه الغرب، وتكرّس بقاءه، وتمنح شرعيةً ضمنية لمفاهيمه وحدوده ومؤسساته.

 

قد تقول إنك لا تقصد ذلك، وقد تؤكد أنك حريص على مصلحة المسلمين، لكن الحقائق لا تُقاس بالنيات وحدها، بل بالنتائج والمسارات. فالمشروع الغربي لا يحتاج دائماً إلى عملائه الصريحين؛ يكفيه أن ينشغل أبناء الأمة بسذاجتهم في تحسين صورته، أو ترقيع أنظمته، أو تجميل ديمقراطيته، أو الدفاع عن حدوده الوطنية المصطنعة، ليبقى هو المستفيد الأكبر.

 

الرموز بين الوعي والاستغلال

 

كم من رمزٍ صعد على أكتاف الناس، ورفع شعاراتٍ براقة عن الحرية والعدالة والهوية، فلما تمكن، وجدناه يهادن الأنظمة، أو يبرر القروض الربوية، أو يسوّغ التحالفات المشبوهة، أو يدعو إلى التعايش مع كيانٍ مغتصب، أو يطالب بتطوير الشريعة لتتلاءم مع المواثيق الدولية!

 

وكم من شخصيةٍ جرى تضخيمها إعلامياً حتى صارت أيقونة، فإذا بها لا تتجاوز سقف الدولة القطرية، ولا تقترب من أصل الداء، ولا تمس جذور التبعية السياسية والاقتصادية، بل تكتفي بإصلاحاتٍ شكلية تبقي البنية الفاسدة كما هي.

 

إن الخطر لا يكمن فقط في خيانةٍ صريحة، بل في انحرافٍ دقيقٍ في زاوية النظر حين يُختزل الإسلام في الأخلاق والعبادات الفردية، ويُقصى عن الحكم والسياسة، وحين تُقدَّم الديمقراطية على أنها من صميم الإسلام، وحين تُعتبر الحدود التي رسمها المستعمر قدراً لا يجوز المساس به، وحين يُصوَّر السعي لإقامة دولةٍ على أساس الإسلام على أنه حلمٌ خيالي أو مغامرة غير محسوبة. هنا يتحول الرمز دون أن يشعر إلى أداةٍ في تثبيت الواقع، لا في تغييره.

 

لا حياد في معركة المشاريع

 

إننا لسنا أمام ساحةٍ رمادية يمكن الوقوف فيها على الحياد. فإما أن تكون مع مشروعٍ يهدف إلى إعادة الإسلام إلى موقع القيادة، في دولة خلافة راشدة توحد المسلمين وتحمل دعوتهم إلى العالم، وإما أن تكون موضوعياً في صف المشروع المقابل الذي يسعى لإبقاء الأمة مجزأة، تابعة، مستهلكة لمنتجات الغرب، ومستقبِلة لقيمه وثقافاته.

 

إن أخطر ما في الخداع الغربي أنه لا يأتي دائماً بوجهٍ سافر، بل بوجهٍ مألوف، بملامح قريبة، وبخطابٍ يستحضر النصوص، لكنه يفرغها من بعدها السياسي، ويعزلها عن واقع الصراع الحضاري، ويجعلها قابلةً للتطويع داخل نظم لا تعترف بسيادة الشرع ولا بوحدة الأمة.

 

ولذلك كان الواجب على الأمة أن تعي أن معيار الانحياز ليس عدد الآيات التي تُتلى، ولا كثرة الشعارات الإسلامية، ولا المظاهر الشخصية، بل السؤال الحاسم: إلى أي مشروعٍ يدعو هذا الرمز؟ وأي واقعٍ يسعى لتثبيته أو تغييره؟ وهل يحمل تصوراً واضحاً لإقامة حكم الإسلام، أم يكتفي بإصلاحاتٍ تحت سقف النظام الدولي القائم؟

 

مسؤولية الأمة وعيٌ يحمي من الخديعة

 

إن الأمة التي تُسلّم قيادتها للرموز دون مساءلة، وتمنح ثقتها بلا تمحيص، وتكتفي بحسن الظن دون فحصٍ للمشروع، أمةٌ تفتح الباب لتكرار الخديعة مرةً بعد أخرى. وما أكثر ما تكررت في تاريخنا المعاصر صورٌ لرموزٍ حمّلتهم الجماهير آمالها، فإذا بهم عند أول اختبار ينحنون لعاصفة الضغوط الدولية، أو يقبلون بشروط المؤسسات المالية، أو يتخلون عن ثوابت كانوا بالأمس يتغنون بها.

 

وليس المقصود هنا إشاعة الشك في كل أحد، ولا الطعن في النيات، بل ترسيخ مبدأٍ واضح لا عصمة لأحد بعد رسول الله ﷺ، ولا قداسة لرمز، ولا حصانة لفكرةٍ لمجرد أن صاحبها متدين أو خطيب مفوّه أو صاحب تاريخٍ نضالي.

 

إن المشروع وحده هو الميزان. فمن لم يحمل مشروع الأمة الكامل، الذي يرفض التجزئة والتبعية، ويسعى لإقامة دولةٍ تحكم بالإسلام في السياسة والاقتصاد والاجتماع، فهو في ميزان الصراع الحضاري يخدم بقاء الهيمنة الغربية، علم ذلك أم جهل وشاء أم أبى.

 

تذكّروا حتى لا يتكرر المشهد

 

تذكّروا هذا جيداً قد يأتيكم من يرفع راية الإسلام، ويتحدث عن الهوية، ويستدر عواطفكم بآياتٍ وأحاديث، لكنه لا يقترب من أصل المشكلة، ولا يطرح مشروعاً جذرياً لتحرير الأمة من تبعيتها، بل يطلب منكم الصبر على الواقع، أو الاندماج فيه، أو الاكتفاء بإصلاحاتٍ جزئية.

 

تذكّروا أن الرمز الذي لا يحمل همّ إقامة كيانٍ سياسي يجمع المسلمين تحت رايةٍ واحدة، ولا يعمل بوعيٍ لإزالة الأنظمة التي تحكم بغير ما أنزل الله، إنما يظل مهما حسنت صورته جزءاً من نظام صاغه الغرب لخدمة مصالحه.

 

فلا تنخدعوا ببريق الأسماء، ولا بلمعان الشاشات، ولا بحماسة الخطب. وانظروا إلى المشروع، وفتشوا عن المآل، واسألوا: هل هذا الطريق يقود إلى نهضةٍ حقيقية تستعيد للأمة سلطانها، أم يعيد إنتاج التبعية بوجوهٍ جديدة؟

 

إن الأمة التي تعي هذا المعيار، وتحاكم الرموز إلى مشاريعها، لا إلى صورها، أمةٌ عصيّة على الخداع، منيعةٌ أمام الاختراق، قادرةٌ على أن تميّز بين من يعمل لنهضتها، ومن يتسلّق أكتافها ليبيع قضية أمةٍ كاملة في سوق السياسة الدولية.

 

وحين يستقر هذا الوعي في العقول والقلوب، لن يكون للرموز المزيّفة مكان، ولن تتكرر المآسي التي دفعت الأمة ثمنها مراراً، لأن البوصلة ستكون واضحة، مع مشروع الإسلام الكامل، أو في صف أعدائه، ولا ثالث بينهما. ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ﴾.

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع