الأربعاء، 15 رمضان 1447هـ| 2026/03/04م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

العاقل لا يلدغ من الجحر نفسه مرتين

 

كانت آسيا الوسطى تتألف قبل زحف الروس من ثلاثة خانات: خانية بخارى، وخانية قوقند، وخانية خيوة. كانت هذه الخانات تتنازع باستمرار وتتقاتل فيما بينها، وفوق ذلك كان هناك صراع على العرش داخل كل خانة. وكان كل واحد منهم يرغب في ضعف الآخر، ويطلب صديقاً يعينه ضد خصمه.

 

في ذلك الوقت، كانت روسيا تراقب كل واحدة منها، وكانت ترغب في احتلال هذه الخانات والاستيلاء على ثرواتها.

 

كان كل خان يطلب المساعدة من روسيا ضد الآخر، ويعتبرها صديقاً مساعداً له. كانت روسيا تظهر لكل واحد منهم أنها صديق محايد، وتقنعه بأنه سيكون أسعد إذا تواجد معها، وفي الوقت نفسه تجعل كل واحد منهم عدواً للآخر. كانت روسيا تهدف إلى احتلال آسيا الوسطى، ونهب ثرواتها، وتأمين حدودها الجنوبية وحمايتها. ثم جاءت الفرصة التي كانت تنتظرها، ففتحت خانات آسيا الوسطى أبوابها لها واحدةً تلو الأخرى. فدخلت روسيا في البداية بصفة الصديق، لكنها في زمنٍ قصير احتلت الخانات الثلاثة جميعاً، وارتكبت المجازر بحق السكان، ونهبت الثروات التي جُمعت عبر قرون طويلة، ثم قسمت المنطقة إلى خمس دويلات ضعيفة غارقة في النزاعات والخلافات الدائمة فيما بينها.

 

تكتسب آسيا الوسطى اليوم أهميةً جيوسياسيةً وجيواقتصاديةً بالغة لم يسبق لها مثيل، إذ تُعد مركزاً استراتيجياً يربط آسيا بأوروبا، وأوروبا بآسيا وبالدول الجنوبية، فضلاً عن كونها منطقة غنية بالموارد الطبيعية ومصادر الطاقة. تسعى روسيا إلى التذكير بصداقتها القديمة، بينما تعرض كلٌّ من الصين وأمريكا وأوروبا أشكالاً جديدة من الصداقة الجديدة. وفي الوقت نفسه تُصوَّر بعض الدول المجاورة، كأفغانستان، ولا سيما الدعاة إلى الإسلام على أنهم أعداء ينبغي الحذر الشديد منهم.

 

ويسعى كلُّ طرفٍ من هذه القوى إلى دعوة قادة الدول الخمس إمّا إلى بلاده أو زيارتهم في آسيا الوسطى، من أجل دفعهم إلى إقامة تحالفات وشراكات، أي صداقة جديدة كصداقة روسيا القديمة ضمن صيغة (5+1). وتهدف جميع هذه القوى إلى السيطرة على الموقع الجيوسياسي والجيوقتصادي الاستراتيجي للمنطقة، والاستحواذ على ثرواتها الهائلة التي لا تنضب. وفي ظلّ غرقِ روسيا اليوم في مستنقع الحرب الأوكرانية، فقد حان الوقت الذهبي للتخلّص من صداقةٍ قديمة، وعدم الانخداع بصداقاتٍ جديدة.

 

يقف اليوم أمام قادة آسيا الوسطى ونخبها الواعية تحدٍّ حقيقي، لا يتمثل في مجرد تنظيم تعاونٍ بين خمس دول متفرقة وضعيفة، بل في إيجاد دولةٍ واحدةٍ قويةٍ وواعية، توحّد الجميع وتدرك بوضوح من هو الصديق ومن هو العدو.

 

لقد اختارت في الماضي القريب صديقاً واحداً فلدغت لدغةً قاسية، واليوم ومع حلول الفرصة الذهبية، يبقى السؤال: هل ستختار صديقاً جديداً فتُلدغ من الجحر نفسه مرةً أخرى أم لا؟ فالعاقل لا يُلدغ من جحرٍ واحد مرتين.

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أحمد هادي

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع