- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
هل يقود الدين الأمريكي إلى نهاية هيمنة الدولار؟
على مدى أكثر من ثمانية عقود، لم يكن الدولار مجرد عملة وطنية لأمريكا، بل أصبح العمود الفقري للنظام المالي العالمي. فمن خلاله تُسعَّر معظم تجارة النفط والسلع الأساسية، وتُدار نسبة كبيرة من احتياطيات البنوك المركزية، وتُسوَّى المدفوعات الدولية، وتُقاس قيمة الأصول في الأسواق العالمية. وقد منح ذلك أمريكا امتيازاً استثنائياً لم تحظَ به أي قوة اقتصادية في التاريخ الحديث، يتمثل في قدرتها على تمويل عجزها وإصدار ديونها بعملتها الوطنية، في ظل طلب عالمي مستمر على الدولار وسندات الخزانة الأمريكية.
غير أن التاريخ الاقتصادي يعلّمنا أن هيمنة العملات ليست أبدية. فقد سبق الجنيه الإسترليني الدولار في قيادة النظام النقدي العالمي، قبل أن يفقد مكانته تدريجياً مع تراجع القوة الاقتصادية والمالية للإمبراطورية البريطانية. ورغم أن هيمنة الإسترليني لم تبلغ المستوى الذي بلغه الدولار بعد الحرب العالمية الثانية، فإن التجربة تؤكد أن قوة أي عملة تبقى مرتبطة في نهاية المطاف بمتانة الاقتصاد الذي يقف خلفها.
وحتى الآن، لا توجد مؤشرات قاطعة على انهيار وشيك للدولار، لكنه يواجه تحديات لم يشهدها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فالتوسع المستمر في الدين العام الأمريكي، والعجز المالي المزمن، والارتفاع المتسارع في تكلفة خدمة الدين، كلها عوامل بدأت تدفع عدداً متزايداً من الدول إلى إعادة النظر في مستوى اعتمادها على العملة الأمريكية.
وتشير بيانات صندوق النقد الدولي إلى أن حصة الدولار من احتياطيات النقد الأجنبي العالمية تراجعت من أكثر من 70% في مطلع الألفية إلى نحو 57% خلال السنوات الأخيرة. ورغم احتفاظه بالمركز الأول بفارق كبير عن جميع العملات الأخرى، فإن هذا الانخفاض يعكس تحولاً تدريجياً في سياسات البنوك المركزية نحو تنويع احتياطياتها.
وفي الاتجاه نفسه، كثفت البنوك المركزية حول العالم مشترياتها من الذهب. وتشير بيانات مجلس الذهب العالمي إلى أن عامي 2022 و2023 شهدا أعلى مستويات شراء رسمية للذهب منذ بدء تسجيل البيانات الحديثة، واستمر هذا الاتجاه خلال عامي 2024 و2025.
وتوضح البيانات ما يلي:
- 2022: 1,082 طناً (رقم قياسي تاريخي).
- 2023: 1,037 طناً (ثاني أعلى مستوى سنوي).
- 2024: نحو 1,045 طناً، مع وجود بعض التقديرات التي ترفع الرقم إلى 1,089 طناً.
- 2025: نحو 1,025 طناً، لتصبح السنة الرابعة على التوالي التي تتجاوز فيها المشتريات الرسمية ألف طن.
- 2026: أظهرت بيانات النصف الأول استمرار الاتجاه، إذ بلغ صافي المشتريات في الربع الأول نحو 85 طناً.
ولا يعود هذا الإقبال إلى اعتبارات استثمارية فحسب، بل إلى اعتبارات استراتيجية أيضاً. فقد دفعت العقوبات المالية الغربية، ولا سيما تجميد جزء من الاحتياطيات الروسية عام 2022، العديد من الدول إلى تعزيز أصولها التي لا تخضع لسيطرة أي دولة، إلى جانب الرغبة في تنويع الاحتياطيات والتحوط من التضخم والمخاطر الجيوسياسية. وهكذا عاد الذهب ليؤدي دوره التقليدي بوصفه مخزناً للقيمة وأداة لحماية السيادة المالية.
وفي الوقت نفسه، برزت مجموعة بريكس باعتبارها أحد أبرز التحديات للنظام المالي التقليدي. فقد وسعت الدول الأعضاء استخدام العملات المحلية في تجارتها البينية، وتسعى إلى تقليص الاعتماد على الدولار في عدد متزايد من المعاملات (مع أن هناك تحفظات حول نشأة بريكس)، ومع ذلك، فإن المجموعة لا تمتلك حتى الآن عملة موحدة أو نظاماً مالياً قادراً على منافسة الدولار على المستوى العالمي.
ومع كل هذه التطورات، فإن قوة الدولار لا تستند إلى حجم الاقتصاد الأمريكي وحده، بل إلى منظومة متكاملة تشمل عمق الأسواق المالية الأمريكية، والسيولة الضخمة لسندات الخزانة، وسيادة القانون، واستقلالية المؤسسات النقدية، والثقة العالمية بالأصول المقومة بالدولار. وحتى اليوم، لا توجد عملة أخرى تجمع هذه المقومات مجتمعة.
لكن العامل الحاسم يبقى داخل أمريكا نفسها. فإذا استمرت الديون الفيدرالية في الارتفاع بوتيرة تفوق معدل النمو الاقتصادي، وأصبحت فوائد الدين تستنزف جزءاً متزايداً من الموازنة العامة، فإن الثقة العالمية بالدولار قد تتعرض لضغوط متزايدة، ليس بسبب ظهور منافس يتفوق عليه، بل نتيجة تآكل الأسس المالية التي تستند إليها العملة المهيمنة.
لماذا قد يتآكل نفوذ الدولار؟
هناك مجموعة من العوامل البنيوية التي قد تُسرّع هذا المسار، أبرزها:
- التوسع المستمر في الدين العام، الذي تجاوز 38 تريليون دولار، بالتزامن مع استمرار العجز المالي والتجاري، وهو ما يزيد اعتماد أمريكا على الاقتراض.
- تزايد استخدام الدولار أداةً في الصراعات الجيوسياسية، الأمر الذي دفع بعض الدول إلى البحث عن بدائل تقلل تعرضها للعقوبات المالية.
- تراجع الثقة في استقرار السياسات الاقتصادية الأمريكية نتيجة الاستقطاب السياسي والخلافات المتكررة حول سقف الدين والإنفاق العام.
- التوسع في استخدام العملات المحلية في التجارة الدولية، ولا سيما بين الاقتصادات الصاعدة.
كيف يمكن أن تتراجع هيمنة الدولار؟
إذا استمرت هذه الاتجاهات، فمن المرجح أن يكون التراجع تدريجياً وليس مفاجئاً، وقد يمر بعدة مراحل:
- انخفاض تدريجي في حصة الدولار ضمن الاحتياطيات العالمية والمعاملات التجارية.
- زيادة الاعتماد على الذهب والعملات المحلية في تسوية التجارة الدولية.
- توسع استخدام اليوان واليورو والعملات الرقمية السيادية في بعض الأسواق الإقليمية.
- انتقال النظام النقدي العالمي تدريجياً إلى نظام متعدد العملات، بدلاً من الاعتماد شبه الكامل على الدولار.
أما سيناريو الانهيار الكامل للدولار فيتطلب فقداناً واسعاً للثقة في الاقتصاد الأمريكي ومؤسساته المالية، وهو أمر لا تشير إليه المؤشرات الراهنة، وإن كان استمرار الاختلالات المالية قد يزيد من احتمالاته على المديين القصير والطويل.
هل يوجد بديل للدولار؟
حتى الآن، لا يوجد بديل منفرد يمتلك جميع المقومات التي يتمتع بها الدولار، إلا أن المشهد العالمي يحاول إبراز خيارات عدة، من أبرزها:
- اليورو، وهو أقرب المنافسين، لكنه يواجه تحديات سياسية واقتصادية داخل الاتحاد الأوروبي وقد ينهار قبل الدولار.
- اليوان الصيني، المدعوم بثقل ثاني أكبر اقتصاد في العالم، إلا أن القيود المفروضة على حركة رؤوس الأموال تحد من انتشاره عالمياً.
- العملات الرقمية للبنوك المركزية (CBDCs)، التي قد تُسهِّل المدفوعات العابرة للحدود بعيداً عن هيمنة الدولار لكنها غير آمنة إذا ما تبنتها دول.
- ترتيبات مالية جديدة داخل مجموعة بريكس، سواء عبر توسيع استخدام العملات الوطنية أو تطوير أدوات تسوية مشتركة.
- الذهب، الذي استعاد مكانته بوصفه أصلاً استراتيجياً وملاذاً آمناً في ظل تصاعد المخاطر الجيوسياسية.
إن نهاية هيمنة الدولار، إذا حدثت، لن تكون نتيجة قرار سياسي تتخذه دولة أو تحالف، ولن تأتي عبر إعلان عملة جديدة تحل محله بين ليلة وضحاها. وإنما ستكون حصيلة مسار طويل تتراكم خلاله الاختلالات المالية، وتتغير فيه حسابات الدول والمستثمرين، ويتراجع الاعتماد على الدولار تدريجياً لصالح نظام نقدي أكثر تعددية.
إن العودة إلى الأصول هي المنجى الوحيد مما تنتجه الرأسمالية من شقاء وتوتر وانهيارات وأزمات مالية، وذلك باستبدال النظام النقدي الحالي القائم على العملات الورقية الإلزامية (كالدولار)، والعودة إلى نظام الذهب والفضة، حيث إنهما يمثلان الحل لهذه المشكلات، وذلك من خلال:
كبح التضخم والإنفاق غير المسؤول: لا يمكن طباعة الذهب والفضة، ما يحد من قدرة الدول على خلق النقود بلا ضوابط، وبالتالي يكبح جماح التضخم والإنفاق الحكومي المفرط.
استقرار مالي طويل الأجل: إن ربط العملة بمعدن ثمين يمنع التقلبات الحادة ويمنح النظام المالي استقراراً أكبر.
العدالة والشفافية: يضمن نظام المعدنين استقلالية النقود عن القرارات السياسية.
ولكن لن يستطيع فرض عودة النظام المعدني إلا دولة قوية تمتلك قرارها السياسي، ويكون النظام المعدني مرتبطاً بمبدئها، ولا يوجد أي مبدأ سوى الإسلام الذي يفرض استخدام النظام المعدني، أو العملة النائبة التي يكون أساسها مغطى بنسبة 100% من الذهب أو الفضة أو كليهما. لذلك نجد أن النظام الاقتصادي الإسلامي بعيد كل البعد عن حالات الأزمات والانهيارات والتخبطات وعدم الاستقرار التي خلقها النظام الرأسمالي.
فيا أهل الإسلام، إن الحلول الجذرية الصحيحة لهذا العالم موجودة في مبدئكم، ولكن يجب تطبيقها على أرض الواقع، ولن يستطيع تطبيقها إلا دولة الخلافة. لذلك، فإن على كل مسلم بالغ واعٍ لمصير أمته، ومدرك لما فرضه الله عليه، أن يمضي في السير مع حزب التحرير لاستئناف الحياة الإسلامية، ووضع الشريعة موضع التطبيق، حتى يرتفع لواء الإسلام، ونعود خير أمة أُخرجت للناس. فإن لم نغير ما بأنفسنا ونتحرك، فلن يغير الله واقعنا. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.
كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
نبيل عبد الكريم



