- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
2026-04-01
جريدة الراية:
حين انحرفت البوصلة من دولة الرسالة
إلى صراع على السلطة!
التاريخ لا يسقط فجأة، ولا تنهار الدول بضربة واحدة، بل يبدأ التراجع حين تنحرف البوصلة السياسية عن أصلها العقدي، مهما بقيت الأسماء والشعارات. الدولة في الإسلام ليست كياناً إدارياً مجرداً، ولا سلطةً تبحث عن بقائها، بل هي دولة رسالة، وظيفتها تطبيق الإسلام في الداخل وحمله بالدعوة والجهاد إلى الخارج.
في عصر الخلافة الراشدة، كان الحكم تجسيداً عملياً لمعنى البيعة، ولمفهوم أن السيادة للشرع وليست للأشخاص، وأن السلطان للأمة تختار من يطبق عليها أحكام الله. لم يكن الحاكم فوق المحاسبة، بل كان خاضعاً لها، ولم تكن السلطة غاية، بل وسيلة لإقامة الدين ورعاية شؤون الناس بأحكامه. لذلك كانت الدولة قويةً بوضوح فكرتها قبل قوة سلاحها.
غير أن التحول الذي وقع بعد ذلك في بعض المراحل التاريخية لم يكن مجرد تغيير في الأشخاص، بل مسَّ طريقة انتقال الحكم، وطبيعة العلاقة بين الأمة والسلطان. حين تحوّل الحكم إلى ملك عضوض، وضعفت آلية المحاسبة السياسية، وبرزت العصبيات، بدأ الخلل البنيوي يتشكل. لم تختفِ الشريعة من المجتمع، ولم تتوقف الفتوحات، لكن روح النظام السياسي بدأت تفقد صفاءها الأول.
المشكلة الجوهرية كانت في بنية النظام: حين لا يقوم الحكم على بيعة صحيحة واختيار واعٍ، بل على تغلب أو توريث، فإن مفهوم السلطان للأمة يتراجع عملياً، حتى وإن بقيت المصطلحات كما هي. ومع الزمن، تتسع الفجوة بين الحاكم والأمة، ويتحول الحكم من رعاية إلى إدارة، ومن رسالة إلى صراع على النفوذ.
هذا التآكل الداخلي جعل الدولة أكثر عرضة للضربات الخارجية. فالغزو الصليبي ثم الاجتياح المغولي لم يكونا سبب الضعف الأول، بل نتيجةً لوجود ثغرات داخلية. الأمة التي تكون واضحة المشروع، متماسكة القيادة، يصعب اختراقها. لكن حين ينشغل الناس بصراعات السلطة، وتتراجع أهمية حمل الدعوة ولا تصبح هي الشغل الشاغل، تتغير طبيعة الدولة من كيان رائد إلى كيان يبحث عن بقائه.
ومع ذلك، لم يكن المسار التاريخي خطاً هابطاً دائماً. فقد ظهرت محاولات تصحيح أعادت الاعتبار لفكرة الدولة المبدئية التي تحمل رسالة للعالم، كما فعل نور الدين محمود، وكما جسّد صلاح الدين الأيوبي في مشروعه الذي لم يكن مجرد تحرير للأرض، بل إعادة توجيه للبوصلة نحو وحدة الأمة ومشروعها. ثم جاء العثمانيون في بداياتهم فجمعوا شتات المسلمين وأعادوا الكيان السياسي الجامع، حتى وإن طرأ على دولتهم لاحقاً ما طرأ من ضعف.
لكن اللحظة المفصلية في التاريخ الحديث كانت هدم الخلافة العثمانية سنة 1924م. هنا لم يسقط سلطان سياسي فحسب، بل أُزيل الكيان الذي كان يمثل، رغم ضعفه، وحدة المسلمين السياسية. ومنذ ذلك الحين، لم تُستبدل دولة بدولة، بل استُبدل مفهوم بمفهوم فحلّت الدولة القُطرية الوطنية محل الدولة الواحدة الجامعة، وأصبحت الحدود المصطنعة مقدسة، وتحوّل الولاء من رابطة العقيدة إلى رابطة الأرض والقومية.
الأنظمة التي نشأت بعد ذلك لم تُبنَ على أساس أن السيادة للشرع، بل على دساتير وضعية تستمد شرعيتها من الشرعية الدولية. وهكذا انتقلت الأمة من نظام سياسي يقوم على تحكيم الإسلام ولو شابه خلل في التطبيق، إلى أنظمة تفصل الدين عن الحكم في أصلها، وتجعل التشريع حقاً للبرلمانات وليس لله تعالى، ونكرر هنا ما تم إقراره سلفا ﻻ تستوي إساءة تطبيق الإسلام مع إحسان تطبيق غيره من الأنظمة ولو أحسن تطبيقها، فتطبيق الإسلام هو العدل وتطبيق غيره ظلم محض.
النتيجة لم تكن مجرد تغير شكلي، بل تحوّل عميق في طبيعة الدولة ووظيفتها. فبدل أن تكون الدولة أداة لحمل الإسلام إلى العالم، أصبحت جزءاً من نظم دولية رأسمالية، تخضع لموازين القوى، وترتبط بالمؤسسات المالية الاستعمارية، وتعيد إنتاج التبعية السياسية والاقتصادية. الأزمات الاقتصادية المتكررة، والارتهان للقروض، والتجزئة السياسية، ليست أعراضاً عابرة، بل هي نتائج لبنية فكرية وسياسية لم تنبثق من عقيدة الأمة.
إن الحديث عن الإصلاح داخل الإطار القائم يبقى محدوداً؛ لأن الخلل في الأساس لا في التفاصيل. فحين تُدار الدولة بعقلية الحفاظ على النظام وليس بعقلية تطبيق الإسلام، وحين تُقدَّم المصلحة القُطرية الضيقة على مصلحة الأمة، فإن الانحراف يستمر، ولو تغيرت الوجوه والشعارات.
إن تصحيح المسار لا يكون بالحنين العاطفي إلى الماضي، بل بإعادة تعريف الدولة كما أرادها الإسلام؛ كياناً سياسياً واحداً للأمة تكون فيه السيادة للشرع، والسلطان للأمة، والأمة تنيب عنها خليفة حاكما يطبق الإسلام عليها ببيعة شرعية صحيحة ويُحاسَب الحاكم إن قصّر، وتُدار الثروات وفق أحكام الملكيات في الإسلام، وتُبنى السياسة الخارجية على حمل الإسلام للعالم بالدعوة والجهاد لا على التبعية.
إننا نذكّر الأمة بأن هذا القرآن أنزل ليُحكم به، لا ليكون مصدر بركة روحية فقط. والتزامنا بالعبادات مدرسة في الانضباط، لكنه كذلك مدرسة في التحرر من سلطان الهوى، ومن الخضوع لأي واقع يخالف العقيدة. مراجعة التاريخ ليست استغراقاً في الماضي، بل قراءة لسنن النهوض والسقوط، فحين تنحرف البوصلة السياسية عن الشرع، يتراكم الضعف، وحين تُصحح، يبدأ التعافي.
إن الاعتراف بطبيعة الانحراف هو أول الطريق، والوعي بالمشروع البديل هو الخطوة التالية، أما العمل السياسي المبدئي المنظم فهو الجسر بين الفكرة والواقع، ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾.
بقلم: الأستاذ محمود الليثي
عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر
المصدر: جريدة الراية



