الجمعة، 17 رمضان 1447هـ| 2026/03/06م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

كيف تُشكّل البراغماتية أحد أكبر عوائق التغيير الناجح؟

 

(مترجم)

 

تتناول هذه المقالة أحد العوائق التي تحول دون تحقيق رؤية ناجحة للتغيير قادرة على حلّ مختلف المشكلات التي تواجه الأمة الإسلامية والإنسانية جمعاء اليوم. ولتحقيق ذلك، تُحلّل المقالة الأسس الفلسفية التي تُوجّه العمل السياسي في الغرب الحديث، وتُقارنها بالفلسفة السياسية للإسلام. ومن خلال تحديد أوجه القصور الكامنة في النهج الغربي السائد، تُوضّح المقالة سبب فشل هذا النهج في تقديم حلول حقيقية للمشكلات النظامية. ثم تُقدّم الرؤية السياسية الإسلامية باعتبارها البديل الصحيح الوحيد، مُحدّدةً الصفات المطلوبة من الفرد المسلم، والأمة الإسلامية، والحزب السياسي، والدولة، لتحقيق تغيير حقيقي وتجاوز العقبات القائمة.

 

الأساسُ الفلسفيُ للممارسة السياسية الغربية

 

تستند الممارسة السياسية الغربية إلى حدّ كبير إلى البراغماتية. وقد ظهرت البراغماتية في القرن التاسع عشر كردّ فعل على العقلانية والتجريبية، اللتين كانتا تهيمنان على الفلسفة الغربية سابقاً.

 

ترى العقلانية أنّ المعرفة مستمدةً من الاستدلال الاستنتاجي القائم على أفكار فطرية أو حقائق بديهية، دون الحاجة إلى الملاحظة المباشرة للواقع. ومن أبرز ممثلي هذه المدرسة ديكارت، وسبينوزا، وليبنيز. في المقابل، ترى التجريبية أنّ المعرفة تنشأ من التجربة الحسية والملاحظة، وأن الفهم يتشكل استقرائياً. ومن أبرز التجريبيين بيكون، ولوك، وبركلي، وهيوم.

 

تجمع البراغماتية، التي يمثلها مفكرون مثل تشارلز بيرس، وويليام جيمس، وجون ديوي، بين عناصر كلا المنهجين. يبدأ اكتساب المعرفة بملاحظة الواقع، يليه وضع نظريات عقلانية، ثم اختبارها عملياً. ولا تُعتبر النظرية صالحة إلا إذا كانت تتوافق مع الواقع المرصود. مع تغير الواقع، قد تُراجع النظريات أو تُهمل. لذا، يُنظر إلى المعرفة على أنها مؤقتة وقابلة للتغيير بطبيعتها.

 

ومن الأمثلة الشائعة على ذلك اكتشاف البجع الأسود، الذي دحض الاعتقاد السائد سابقاً، والمبني على ملاحظة محدودة، بأنّ جميع البجع أبيض. في البراغماتية، لا يُعدّ الواقع مجرد موضوع للتفكير، بل هو مصدره، وتبقى الحقيقة مشروطة.

 

من الناحية الأخلاقية، ترفض البراغماتية كلاً من المطلقية والنسبية. تؤكد المطلقية على وجود معايير ثابتة وعالمية للخير والشر، بينما ترى النسبية أنّ المعايير الأخلاقية تعتمد على السياقات الثقافية أو التاريخية أو الشخصية. تنفي البراغماتية وجود معيار أخلاقي دائم، وتؤكد بدلاً من ذلك على ضرورة إعادة تقييم الأحكام الأخلاقية باستمرار وفقاً للظروف والنتائج المتوقعة. ونتيجةً لذلك، تتغير مفاهيم الصواب والخطأ بمرور الوقت، ما يعكس تغير الأعراف المجتمعية.

 

البراغماتية كعائق في الممارسة السياسية الغربية

 

تؤثر البراغماتية تأثيراً بالغاً في صنع السياسات في السياسة الغربية المعاصرة. حيث تُتخذ القرارات السياسية بناءً على الواقع الراهن، مع افتراض ضرورة إعادة تقييم هذه القرارات باستمرار مع تغير الظروف. وقد تُستبدل السياسات المعتمدة اليوم غداً إذا تبين أنها أقل فعالية من البدائل المقترحة حديثاً.

 

يُصبح هذا النهج إشكالياً بشكل خاص عندما لا يكمن جذر الأزمة في تنفيذ السياسات، بل في النظام نفسه. فإذا نشأت المشكلة من خلل في التنفيذ، قد تُقدم التعديلات البراغماتية حلولاً مؤقتة. هذا المنطق هو أساس الحوكمة الرأسمالية، حيث تهدف الإصلاحات القانونية المستمرة إلى تحسين النظام.

 

ومع ذلك، عندما تكون المشكلات متأصلة في النظام، مثل الأزمات المالية وأزمات الديون المتكررة في ظلّ الرأسمالية، فإن تعديلات التنفيذ لا تُقدم حلولاً دائمة. يُشير تكرار هذه الأزمات إلى أنها متأصلة في النظام نفسه. كما تُؤكد إجراءات مثل تدخل الدولة أو التأميم، التي تُناقض المبادئ الرأسمالية الأساسية، أن النظام يفتقر إلى القدرة على حل تناقضاته.

 

عندما تنشأ المشكلة من النظام نفسه، لا سبيل لحلها إلا بتحول جذري فيه. هذا التغيير ثوري بالضرورة. إلا أن البراغماتية ترفض الحلول الثورية باعتبارها غير واقعية، وتصف مؤيديها بالمثاليين. ونتيجة لذلك، يعجز السياسيون البراغماتيون بنيوياً عن حلّ الأزمات النظامية، بل إنهم يعرقلون التغيير الحقيقي بحصر النقاش في تعديلات ضمن الإطار القائم، ما يعزّز وهم سلامة النظام نفسه. وهذا يشكل عائقاً رئيسياً أمام تحقيق رؤية ناجحة للتغيير.

 

الرؤية السياسية الإسلامية كبديل صحيح وحيد

 

تقوم الفلسفة السياسية للإسلام على الإيمان بأن جميع الأمور المتعلقة بالكون والإنسان والحياة والحقّ والباطل والخير والشّر هي من الله سبحانه وتعالى. فالله سبحانه وتعالى هو خالق الكون والإنسان، وهو صاحب السيادة والسلطة المطلقة.

 

يميز الإسلام بين مجالين: أحدهما لا يملك فيه الإنسان أي سيطرة، ويخضع لقوانين الطبيعة التي وضعها الله، والآخر يُمنح فيه الإنسان حرية الاختيار والتصرف. وفي كلا المجالين، فإن لله سبحانه وتعالى الحق الحصري في التشريع وتحديد كيفية سير الأمور. في مجال الاختيار، يمكن للإنسان أن يطيع أو يعصي، لكن السلطة الإلهية تبقى مطلقة.

 

لذا، يقوم الحكم الإسلامي على قناعة راسخة بأن حكم الله عادل وكامل، وأنه لا يمكن لأي سلطة بشرية أن تحل محله. والقرآن الكريم وسنة النبي ﷺ هما مصدرا المعرفة المتعلقة بالشريعة الإلهية، التي تُعتبر الشريعة العليا. والحكم وفقاً لهذه القوانين هو الشكل الصحيح الوحيد للحكم.

 

في هذا الإطار، يصون الخليفة سيادة الشرع، وتُفهم السلطة السياسية على أنها تطبيق لشرع الله لا حكما بشريا مستقلا.

 

وبناءً على ذلك، فإن الواقع في الإسلام، هو موضع الفكر لا مصدره. والوحي الإلهي هو المعيار الذي يُفهم من خلاله الواقع ويُعالج. فالخير يبقى خيراً، والشر يبقى شراً، مهما تغيرت الظروف.

 

لذا، لا تُحلّ المشكلات بتغيير النظام أو استعارة عناصر من أنظمة أخرى، بل تُبحث الحلول بالعودة إلى النظام الإسلامي نفسه ودراسة مدى صحة تطبيقه. وتُعزى أوجه القصور إلى تقصير بشري في التنفيذ، لا إلى النظام نفسه. وتُفرض المساءلة وفقاً للشريعة الإسلامية، في الدنيا والآخرة.

 

البراغماتية والإسلام

 

عند المقارنة بين البراغماتية والإسلام، لا يكمن الاختلاف في طريقة تعاملهما مع الواقع فحسب، بل في أسسهما المعرفية أيضاً. فالبراغماتية محصورة في القدرات المحدودة للعقل والإدراك البشري، بينما يقوم الإسلام على الثقة بعلم الله وحكمته.

 

وما تعتبره البراغماتية مستحيلاً أو غير واقعي قد يكون ممكناً تماماً في الإسلام. وما يُرفض باعتباره مثالية قد يُمثل في الواقع واقعية عند الحكم عليه وفقاً للمبادئ الإسلامية.

 

يُبرز هذا التمييز عقبة جوهرية أمام إحداث تغيير حقيقي: الاعتماد على التفكير الذي يتمحور حول الإنسان ويرفض التوجيه الإلهي.

 

أمثلة تاريخية ومعاصرة

 

يُمكن إيجاد مثال من بدايات الدولة الإسلامية في غزوة مؤتة. فبعد مقتل رسول مسلم على يد حليف بيزنطي، حشد النبي ﷺ جيشاً قوامه ثلاثة آلاف رجل. ولما علم بعضهم بمواجهة قوة تفوقهم عدداً وعدة، تردّدوا. فذكّرهم عبد الله بن رواحة بأنّ النصر لا يعتمد على العدد أو القوة المادية، بل على الإيمان وطاعة الله سبحانه وتعالى.

 

ومن منظور عملي، بدت مواجهة هذه القوة عبثية. ومع ذلك، اتُخذ القرار بناءً على واجب ديني لا على حسابات مادية. ورغم تفوق العدو عددياً، حافظت المواجهة على مكانة الدولة الإسلامية وأظهرت عزمها.

 

ومن الأمثلة المعاصرة هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023. فمن وجهة نظر عملية، بدا من غير الواقعي أن تواجه قوة صغيرة إحدى أقوى الكيانات العسكرية في العصر الحديث. ومع ذلك، نُفذت العملية وتلتها مقاومة مستمرة، ما يُظهر مرةً أخرى التباين بين الحسابات العملية والعمل المدفوع برؤية مختلفة للنصر.

 

الخلاصة: التغلب على معوقات التغيير

 

إن استعداد المسلمين لإعطاء الأولوية للآخرة يُغير جذرياً نهجهم في العمل السياسي وفي كلّ عمل آخر. فالقرارات التي تبدو محفوفة بالمخاطر من منظور عقلاني أو عملي بحت، تصبح ممكنة عند الاسترشاد بالإيمان والالتزام بالشريعة الإسلامية.

 

يكمن العائق الرئيسي أمام تحقيق رؤية ناجحة للتغيير في هيمنة النزعة العملية، التي تحصر الحلول فيما يبدو قابلاً للتطبيق الفوري ضمن النظام القائم. لكن الإسلام يقدم رؤية مختلفة: رؤية تتطلب التزاماً راسخاً بالهداية الإلهية، واليقين الأخلاقي، والنزاهة النظامية.

 

ويتطلب تجاوز هذه العقبات من الأفراد والأمة والحركات السياسية والدولة الإسلامية أن يجسدوا الإيمان والانضباط والتوكّل على الله سبحانه وتعالى، مدركين أنّ النجاح الحقيقي يكمن في طاعته.

 

روى حذيفة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «لَا تَكُونُوا إِمَّعَةً؛ تَقُولُونَ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا، وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا، وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا، وَإِنْ أَسَاءُوا فَلَا تَظْلِمُوا» رواه الترمذي

 

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سمية بنت خياط

 

#رؤية_حقيقية_للتغيير

 

#TrueVision4Change

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع