الجمعة، 17 رمضان 1447هـ| 2026/03/06م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

معادلة التغيير في الإسلام

من الوعي المبدئي إلى إقامة الدولة

 

التغيير من وجهة نظر الإسلام ليس انفعالاً عاطفياً، ولا ثورة غضب عابرة، ولا إصلاحات جزئية داخل واقع فاسد، بل هو عملية منضبطة بأحكام الشرع، تقوم على أساس فكرة كلية عن الكون والإنسان والحياة، وتستهدف إقامة نظام ينبثق عن عقيدة الأمة. والسؤال الجوهري الذي يفرض نفسه اليوم، لماذا تعثرت الأمة في مسارها الحضاري رغم كثرة طاقاتها وإمكاناتها؟ وأين الخلل في معادلة التغيير؟

 

إن النظر في واقع المسلمين يظهر أن الأزمة ليست أزمة أفراد متدينين أو غير متدينين، وليست نقصاً في الموارد أو ضعفاً في القدرات، بل هي أزمة غياب الكيان السياسي الذي يطبق الإسلام كاملاً. فمنذ هدم الخلافة، فُقدت الدولة الجامعة، واستُبدلت بها أنظمة قطرية علمانية عميلة، تفصل الدين عن الحكم، وتجعل السيادة للدساتير الوضعية، والهيمنة والتبعية للغرب وأطروحاته، وبالطبع يحكمها عملاء يرعون مصالح الغرب، وﻻ يعبؤون بحال الأمة.

 

التغيير الحقيقي في الإسلام يبدأ من الفكرة؛ لأن الفكرة هي التي تحدد الاتجاه. حين بعث الله رسوله ﷺ، لم يبدأ بتغيير الأنظمة القائمة عبر مواجهة مسلحة، بل بدأ ببناء وعي على أساس عقيدة لا إله إلا الله. هذه الجملة لم تكن مجرد شعار تعبدي، بل إعلاناً بأن السيادة لله وحده، وأن التشريع حق خالص له، وأن كل نظام يخالف وحيه باطل. هذا الوعي أنتج كتلة مؤمنة تحمل الفكرة، ثم تحولت هذه الكتلة إلى نواة دولة في المدينة.

 

إن إقامة الدولة في المدينة لم تكن حدثاً عفوياً، بل نتيجة مسار واضح؛ صراع فكري مع أفكار الجاهلية، وكفاح سياسي مع قياداتها، وبناء قاعدة مؤمنة واعية، مع طلب النصرة لإقامة الحكم بالإسلام. هذه المراحل تشكل معادلة التغيير في الإسلام؛ فكرة مبدئية، كتلة تحملها وتجسدت فيها، رأي عام يتبناها، ثم إقامة كيان سياسي يطبقها في الداخل ويحملها للعالم بالدعوة والجهاد رسالة هدى ونور للعالمين.

 

وإذا نظرنا إلى أحداث كبرى في التاريخ الإسلامي، نجد أن النصر لم يكن نتيجة تفوق مادي فقط، بل نتيجة وضوح المشروع. في بدر لم يكن المسلمون يملكون عدة قريش ولا عددها، لكنهم كانوا جزءاً من كيان سياسي ناشئ يقوم على عقيدة واضحة، وقيادة منضبطة بالوحي. وكذلك في فتح مكة لم يكن الفتح انفجاراً مفاجئاً، بل ثمرة سنوات من العمل السياسي المنظم، وبناء القوة ضمن إطار الدولة.

 

المشكلة اليوم أن كثيراً من الدعوات إلى التغيير تنطلق من داخل الإطار القائم، لا من خارجه وﻻ تعمل على تغييره بل تجعل الواقع مصدرا لتفكيرا بدلا من أن يكون موضع عملها للتغيير. فتُطرح مشاريع إصلاح اقتصادي مع بقاء النظام الرأسمالي، أو إصلاح سياسي مع بقاء السيادة للشعب، أو تحسين إداري مع بقاء علمانية النظام أساسا للدولة وأجهزتها. وهذا يعني أن التغيير يبقى شكلياً، لأن الأساس لم يتبدل. فالأنظمة التي تجعل التشريع حقاً للبشر لا يمكن أن تنتج حكماً إسلامياً كاملاً، مهما حسنت نوايا القائمين عليها.

 

ثقافة الإسلام السياسية تجعل السيادة للشرع، والسلطان للأمة، والخليفة يُبايَع على الحكم بما أنزل الله. وهذا يعني أن التغيير المطلوب ليس تغيير وجوه، بل تغيير نظام. لا يكفي أن يتدين الحاكم شخصياً إذا كان ملتزماً بدستور وضعي. ولا يكفي أن تُضاف بعض المواد الإسلامية إلى قوانين مستمدة من فلسفات بشرية. المطلوب هو استئناف الحياة الإسلامية بإقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، ككيان سياسي جامع يوحّد الأمة ويطبق الإسلام كاملاً.

 

معادلة التغيير إذن تتكون من عناصر مترابطة:

 

- الكتلة الواعية. التغيير لا يصنعه أفراد متفرقون، بل جماعة مبدئية منظمة تحمل مشروعاً واضحاً لإقامة الدولة، وتعمل وفق طريقة الرسول ﷺ في التغيير، بعيداً عن الفوضى أو الاندفاع غير المنضبط.

 

- الوعي المبدئي. لا بد أن تدرك الأمة أن مشكلتها سياسية في جوهرها، وأن سبب ضعفها هو غياب الحكم بما أنزل الله. هذا الوعي لا يتشكل عبر خطابات عاطفية، بل عبر صراع فكري يكشف زيف المفاهيم السائدة، كالوطنية القُطرية، والسيادة الشعبية، وفصل الدين عن الدولة، وهو جوهر عمل الكتلة الواعية في تفاعلها مع الأمة حاملة مبدأ الإسلام ومشروعه الحضاري.

 

- الرأي العام المنبثق عن وعي عام. حين تتحول الفكرة إلى مطلب جماهيري واعٍ، يصبح الواقع مهيأً للتحول. فالدولة لا تقوم في فراغ، بل تحتاج إلى بيئة شعبية ترى في تحكيم الإسلام خلاصاً من أزماتها، وهذا نتاج ما تضخه الكتلة من أفكار الإسلام النقية في الأمة ونتيجة مباشرة للصراع الفكري الذي تقوم به هدماً للأفكار التي لوثت عقول أبناء الأمة وإعادة عقيدتهم إلى صفائها ونقائها من جديد.

 

- طلب النصرة من أهل القوة والمنعة، لإقامة الحكم بالإسلام، كما فعل الرسول ﷺ حين طلب النصرة من الأنصار، فأقام بهم الدولة الإسلامية الأولى في المدينة، عمل مهم للكتلة الواعية تذكير أهل القوة والمنعة من أبناء الأمة بواجبهم الحقيقي في نصرة الإسلام وحفظ بيضة الأمة، ووجوب قطع علاقاتهم بحكام باعوا نفوسهم للغرب بثمن بخس ومتاع من الدنيا قليل.

 

هذه المعادلة ليست نظرية مثالية، بل طريقة شرعية ثبتت بنصوص السيرة، وأكدها إجماع الصحابة على وجوب نصب خليفة بعد وفاة الرسول ﷺ. فالدولة في الإسلام ليست خياراً سياسياً بين خيارات، بل فرض شرعي لا تكتمل أحكام الإسلام بدونه.

 

إن الأزمات التي تعيشها الأمة اليوم من تبعية، وتفكك سياسي، وضعف عسكري، ليست إلا أعراضاً لغياب هذا الكيان. ولا يمكن علاج الأعراض دون معالجة السبب. فكما أن غياب القلب يميت الجسد، فإن غياب الخلافة يشتت الأمة، مهما كثرت شعوبها وثرواتها.

 

الطريق إلى التغيير ليس قصيراً، لكنه واضح المعالم. يبدأ بإعادة بناء الوعي على أساس العقيدة، ويتقدم بعمل سياسي منظم، وينتهي بإقامة الدولة التي تعيد للأمة وحدتها وعزتها. وبين البداية والنهاية يقف جيل يقرر أن يتحمل مسؤوليته التاريخية، لا أن يكتفي بمراقبة الأحداث.

 

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

محمود الليثي

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع