- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
التغيير الجذري، رؤية من قبس الوحي
﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ﴾
في المقال السابق تحدثنا عن خلق الإنسان كخليفة في الأرض، وذكرنا نموذج سيدنا إبراهيم كنموذج قرآني للمسلم الذي يعمل عن يقين، لا تفت في عضده الشهوات ولا الشبهات. وقلنا إنَّ أهم سمة لهذا المؤمن أنه يؤمن بالغيب.
وحين نتحدث عن الإيمان بالغيب، فإن القرآن يوضح بشكل قاطع أن المُنجي هو العمل المبني على بصيرة ووعي ويقين، وأن هذا الإيمان إذا لم يتحول لمفاهيم تتجسد سلوكاً فإنها ستبقى مجرد شعارات جوفاء، وهذا ما يمقته الله سبحانه: ﴿كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾.
وفي سورة البقرة التي وضحت في البداية أن القرآن هدى للمتقين، الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة... ذكر الله سبحانه للمسلمين صنفاً آخر من باب التحذير أن يكونوا مثلهم؛ صنفاً لم يكن الوحي هداية له.
هؤلاء هم بنو إسرائيل، أورثهم الله الكتاب واصطفاهم وفضلهم على العالمين.. لكنَّهم بكل جحود كفروا بأنعم الله وقالوا قلوبنا غلف، قتلوا أنبياء الله وحرَّفوا الكلم عن مواضعه.
في ثنائية القول والعمل، الإيمان والخطأ المنبعث من طبيعة البشر الخطّائين، تبرز جدلية، وهي من فخاخ إبليس: أنا كمسلم يجب عليّ أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأنصح لله ولرسوله، وأعمل صالحاً، لكنِّي في الوقت نفسه معرض كبشر للزلل والخطأ وقد أقع فيما نهيت عنه أو أجتنب ما أمرت به.. فهل هذا يُدخلني في النفاق؟ هنا يبدأ إبليس عمله: فيوسوس للمسلم بالقعود عن العمل، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى لا يصبح المسلم منافقاً.
لكن في سورة البقرة والآيات التي تخاطب بني إسرائيل، سيجد المتدبر مخرجاً. فالله سبحانه يخاطب هؤلاء القوم بقوله: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ * وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ * وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ * وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ * أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ * وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾.
فالله سبحانه بدأ الخطاب بتذكيرهم بنعمته عليهم، وأوجب عليهم الإيمان بالوحي الذي أنزله عليهم، وحذّرهم من أن يشتروا بآياته ثمناً قليلاً.. وهذا كلُّه ذكره الله لنا حتى لا نقع فيما وقعوا به. ثم بكل وضوح يحذِّر الله مستنكراً: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾؟ إذاً فالرد على جدلية ترك الأمر بالمعروف لورود الوقوع فيه، هو في المجاهدة، وأطر النفس على الحق أطراً ودوام محاسبتها، ولأن الله يعلم أن الأمر شاقٌّ فهو يوجهنا مباشرة بقوله: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾.
أجل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والعمل للإسلام والتزام الوحي، تكاليف صعبة على النفس، ومجاهدة المسلم لنفسه والاندفاع للعمل صعب، لكنَّ الله يقول: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾.
وهل بعث في قلب إبراهيم السلام حين ألقي في النار غير إيمانه أنه ملاقٍ ربَّه؟ وهل ثبت موسى في مواجهة فرعون إلا بيقينه بلقاء الله؟ وهل ثبت أصحاب الأخدود وأهل غزة إلا باليقين بلقاء الله الذي تهون أمامه كل التكاليف وتصبح معه كل الابتلاءات برداً وسلاماً؟
اليقين يدفع للعمل، ويولِّد العزم والهمَّة، فيندفع المسلم في ميدان الحياة عاملاً لنصرة دين الله لا تهمُّه المعيقات ولا تقعده الابتلاءات. يعمل على بصيرة، عرف الحق وعرف أنه على ثغر سيسأله الله عنه.
ومن ذاق حلاوة الإيمان، عرف أنه لا صلاح له ولأمته بغيره، ومن عرف قدر الله وقدر دينه وأنه الحق وما بعده الضلال، اجتهد وبذل الوُسع لأن يصبح لهذه الأمة سلطانه ولأن يعود لدين الله السيادة في الأرض.
عن مَعْقِل بن يَسَار رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ»، رواه مسلم، وعند الإمام أحمد بلفظ: «الْعَمَلُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ»، وعند الإمام الطبراني في المُعجم الكبير بلفظ: «الْعِبَادَةُ فِي الْفِتْنَةِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ».
في زمن الفتنة، وانتشار الهرج، وعلوِّ الباطل وحالة التخبط والتيه التي تفشو، يصبح ثبات المسلم وعمله للتغيير عبادة عظيمة، الرسول يخبرنا أنه عند الله كهجرة في سبيل الله. هذا الحديث حديث عظيم، يخبرنا فيه رسول الله ﷺ أن الأجور العظيمة تأتي من أعمال عظيمة، وأن الثبات في الفتن، والعمل في حالة ضياع الناس وانشغالهم بالسفاسف أحدها. وهذه لفتة عظيمة توجه المتبصر لأن الإسلام هو دين عمل وبذل وتغيير، دين حركة لا جمود ودين بذل لا كسل، دين يحض على العمل ويكره القعود والعجز والتذرُع. فالله جعل هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس: بأمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر، وإيمانها بالله.
وهكذا حال المؤمن: علم وعمل، إيمان تصدقه الجوارح بعمل فاعل في حال المسلم كلِّه وفي أمته حتى يُسلم الروح لبارئها، يستضيء بقبس حديث رسول الله، الحديث الذي رواه الإمام أحمد وغيره عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول ﷺ: «إِنْ قَامَتْ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ».
كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
بيان جمال
#رؤية_حقيقية_للتغيير
#TrueVision4Change



