السبت، 25 رمضان 1447هـ| 2026/03/14م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

سلسلة مواقف مضيئة في تاريخ الإسلام

الحلقة الحادية والعشرون

حروب الردة: حين حُسمت معركة السيادة ووحدة الأمة

 

حروب الردة لم تكن مجرد معارك ضد قبائل امتنعت عن الزكاة، ولا ردّ فعل غاضباً بعد وفاة النبي ﷺ، بل كانت معركة على معنى الدولة نفسها: هل تبقى الأمة موحّدة تحت سلطان واحد يطبّق أحكام الإسلام، أم تتحول إلى تجمعات قبلية تُجزّئ الدين وتتعامل معه انتقائياً؟ لقد فهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه أن القضية ليست مالاً يُدفع أو يُمنع، بل سيادة شرع ووحدة كيان.

 

حين توفي رسول الله ﷺ، اهتزّت الجزيرة سياسياً. بعض القبائل ادّعت أن التزامها كان بشخص النبي ﷺ لا بالدولة، وبعضها فرّق بين الصلاة والزكاة، وآخرون ارتدوا صراحة. هنا برز السؤال الجوهري: هل الإسلام شعائر فردية منفصلة، أم نظام شامل يُلزم الأمة بطاعة إمامها في تنفيذ أحكام الله؟ موقف أبي بكر كان حاسماً: "والله لأقاتلنّ من فرّق بين الصلاة والزكاة". هذه العبارة تختصر الرؤية الكاملة؛ فالتفريق بين الأحكام هو بداية تفكيك أحكام الشرع، وتفكيك أحكام الشرع هو تفكيك الدولة.

 

الزكاة في هذا السياق لم تكن مجرد مورد مالي، بل رمزاً للارتباط السياسي بالكيان الإسلامي. فهي تُجمع لصالح بيت مال المسلمين، وتُصرف وفق أحكام الشرع في مصارفها. والامتناع عنها لم يكن نزاعاً اقتصادياً، بل إعلان انفصال عن السلطان الشرعي. لذلك لم يُنظر إليه بوصفه خلافاً إدارياً يمكن التفاوض حوله، بل باعتباره تمرداً على وحدة الأمة.

 

لقد أدرك الصحابة أن الدولة في الإسلام ليست كياناً رمزياً، بل ضرورة شرعية لتنفيذ الأحكام. فإذا قُبل أن تختار كل قبيلة ما تلتزم به من الإسلام، سقطت هيبة الشرع، وتحولت الأمة إلى جزر متناحرة. من هنا جاء الإجماع العملي على القتال، رغم أن بعض الصحابة في البداية رأوا التريث. لكن الحسم كان هو الذي حفظ الكيان، وأعاد تثبيت سلطان الدولة في الجزيرة.

 

حروب الردة تكشف أن وحدة الأمة ليست شعاراً عاطفياً، بل حكم شرعي يُصان بالقوة عند الحاجة. فالإمام مسؤول عن حفظ الدين وسياسة الدنيا به، ولا يتحقق ذلك مع وجود مراكز قوى مستقلة تتصرف خارج إطار الدولة. إن السماح بالتجزئة تحت أي ذريعة قبلية أو مالية أو سياسية يؤدي إلى انهيار البنية الجامعة.

 

وعند إسقاط هذا المعنى على واقع المسلمين اليوم، يتضح حجم الفجوة. الأمة اليوم ممزقة إلى كيانات قطرية متعددة، لكل منها نظامه وقوانينه وحدوده، وتخضع كثير من قراراتها السياسية والاقتصادية لإرادات خارجية. هذا التشتت جعل موارد الأمة الضخمة موزعة، وقوتها البشرية مبعثرة، وإرادتها السياسية مقيدة. بينما نموذج حروب الردة يبين أن أي تفكك في السلطان يفتح الباب لضعف شامل.

 

كما تكشف تلك المرحلة أن الدولة الإسلامية لا تقبل الازدواجية. ولا يمكن أن يكون الولاء للقبيلة أو الإقليم أو المصالح الضيقة مقدماً على الانتماء إلى الأمة الواحدة تحت إمام واحد. وقد حُسم الأمر في صدر الإسلام لأن القيادة كانت واضحة في إدراكها أن التفريط في جزء من الأحكام يفضي إلى التفريط فيها كلها.

 

الدرس الأعمق أن السيادة في الإسلام للشرع، ووحدة الأمة واجب، والإمام هو الذي يجسد هذه الوحدة تنفيذاً. فإذا غاب الإمام الجامع، أو تفرقت الأمة بين سلطات متعددة، أصبح كل كيان يبحث عن بقائه بمعزل عن الكل، فتضيع القوة الجامعة. حروب الردة كانت تثبيتاً لمبدأ أن الأمة لا تتعدد قياداتها السياسية، ولا تُجزأ أحكام دينها وفق الأهواء.

 

لقد انتهت تلك الحروب بتثبيت الوحدة، وانطلقت بعدها الفتوحات الكبرى في عهد أبي بكر ثم عمر رضي الله عنهما. ولم يكن ذلك مصادفة، بل نتيجة مباشرة لحسم مسألة السيادة داخلياً. فالأمة التي تحسم وحدتها في الداخل تصبح قادرة على التحرك بثقة في الخارج. أما الأمة المنقسمة، فتظل منشغلة بصراعاتها الداخلية، عاجزة عن أداء دورها.

 

إن حروب الردة تعلمنا أن الحفاظ على وحدة الأمة ليس خياراً سياسياً قابلاً للأخذ والرد، بل فريضة تحفظ الدين والدماء والمصالح. وتعلمنا أن الدولة التي تتهاون في فرض سلطان الشرع على كامل إقليمها، وتسمح بتعدد مراكز القرار، تفتح على نفسها باب التفكك.

 

وهكذا تبقى تلك المرحلة شاهداً على أن بقاء المشروع الإسلامي مرهون بوحدة سياسية جامعة، وبسلطان ينفذ الأحكام دون تردد، وبأمة تدرك أن التفريط في جزء من شرعها أو في وحدتها هو بداية فقدان قوتها. لقد كانت معركة الردة معركة سيادة قبل أن تكون معركة سيف، ومعركة وحدة قبل أن تكون معركة مال... وبحسمها استقرت الدولة، وانطلق التاريخ في اتجاه جديد.

 

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية مصر

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع